رجاء لا تحتقروا عقولنا... رد على الزميل " ولد الفاظل

سيدي الفاضل محمد الأمين ولد الفاظل، طالعت مقالكم المعنون ب "إننا نحتقركم..فماذا أنتم فاعلون؟"... لم أقرأ في هذا المقال سوى تحامل واضح على عمدة ازويرات دون تقديم دليل أو سند قانوني أو حتى قرينة، وأنت من تحدثت في مقالك عن العدالة ، مكتفيا طبعا بما ورد في خطاب الرجل من أنه تحصل على المليارات من قطاع الصيد، وأنت تدرك تماما أن السياسة فن الممكن ولعبة الإستمالةة لا يهم فيها الصدق بقدرما تهم النتيجة، أما العدالة فهي تهمة ودليل ومرافعة وحكم ابتدائي واستئناف وحكم نهائي، ثم بعدها لك أن تطلق أي وصف مطابق لشكل الجريمة التي أقرتها العدالة على الشخص الذي أقرت عليه.

أما كون الإعتراف سيد الأدلة، فهذا لا يكون مطابقا للنص القانوني المأخوذ منه إلا إن كان أمام قاضي وفي جلسة محاكمة علنية، وإلا لكان كافة الموريتانيين داخل القضبان لأننا يويما نعرتف بجرائم قتل لم نفعلها وإنما لأجل المبالغة - كأن تقول قتلته بالضرب-، أو قلتها له مليون مرة... إلخ...

ولو استخدمت كافة العبارات التي يقولها الموريتانيون ضدهم فلن تجد أنت الوقت الكافي لتكتب عن الآخرين لأنك ستكون داخل زنزانة تنتظر حكما عليك أو محاكمة لك بسبب مبالغة اعترفت من خلالها بما لم تقم به، ولن أجد من الوقت ما أدافع به عن غيري لذات السبب.

فرجاء لا نريد منكم احتراما لعقولنا... بقدر ما نريد منكم أن لا تحتقروها

بادو ولد محمد فال امصبوع

 

جعفرية المغافرة (بني حسان) بين لسان الحال ولسان المقال!!

 

المرابط ولد محمد لخديم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

      كنت قد ألفت كتبا وكتبت مقالات عن الكون ولإنسان والحياة ,حاولت أن أصل من خالها إلى تصور جديد عن واقع الأشياء وعلاقتها بالإنسان والمعتقد؟!  محاولا الجواب على الأسئلة القديمة المتجددة: ماهذا الكون؟ من أين جئنا والى أين المصير؟! وهذا كون لدى نوعا من المتابعة والملاحظة علمتني كثيرا من أساليب الكتابة سواء كانت فكرية أو علمية أو دينية..

    وأذكر أنني بينما كنت مسافرا في ضواحي اينشيري وكنت كعادتي أكثر من الأسئلة بدافع الفضول تارة والتطلع تارة أخرى..

    حدثني احدهم قائلا: هذا الموضع يسمي (آكشار) وبه يرقد الجد الجامع ( لأولاد آكشار ) وفيه منبع مياه معدنية تسمي مياه آكشار المعدنية...

    بعد رجوعي إلى انواكشوط  كتبت مقالا بعنوان:مياه آكشار المعدنية الحقوق الضائعة!! بينت من خلاله استحقاق عوائد أو رسوم لمن يحمل هذا الاسم الرابط  http://www.aqlame.com/article20040.html

     ورقم ماقيل في المقال من الأخذ والرد آنذاك.. لم يكن مهما..لأن الغرض منه ليس نفعيا كما يعتقد البعض وإنما كان توضيحا لبعض المفاهيم قد لا يدركها الكثير من الناس حتى من المعنيين أنفسهم... 

     فالإنسان حين يكون خاما يكون وعيه بواقعه محدودا، كما أن إدراكه لاتجاهات التطور الذي تتعرض له حياته الخاصة وبيئته اللصقية يكون سطحيا وليس التقدم العقلي والعلمي ونضج الوعي، إلا أمورا تساعد المرء على التعامل مع التفاعلات الجارية، واستثمارها لتحقيق أهدافه الخاصة... 

    كان من النتائج المهمة للردود السابقة أن تولدت لدي تساؤلات جديدة : من هو أكشار ومن اين جاء ؟ وهل هو من السكان الأصليين لهذا البلد؟

    بدأت كعادتي أبحث في المراجع والمصادر المتوفرة عن هذا الموضوع....  

      فلم يعد التاريخ سردا للحوادث بل صار تاريخا للإنسان، مهما اختلفت ملته أو عرقه أو نِحْلته من العيش، ومهما كان موقعه من مدارك الإجتماع... 

      ليس سرا أن التاريخ الموريتاني لم يكتب لحد الساعة، ويعود ذلك إلى أسباب من أهمها تكوين الوعي التاريخي لدى سكان هذه البلاد ولقد أصبح مؤكدا أننا إذا لم نأخذ في الاعتبار تاريخ التراكمات القيمية، وروافد التيارات الثقافية التي تؤسس الظواهر المدروسة. فإننا سنسقط لا محالة ضحية لخداع العقل الجمعي، وسنبقى على فهم سهل ولكنه متناقض وتبريري إلى حد بعيد..

   وبالتالي فان هذا الطرح سيضعنا في حالة صعبة لن نتغلب عليها إلا إذا انطلقنا من المعطيات التي عندنا كمرجع ثم نعمم بعدها  فلسان الحال أفضل من لسان المقال:

أولا: اللهجة الحسانية التي يتكلم بها سكان هذه البلاد وهي لهجة بدوية مشتقة من العربية التي كانت تتحدثها قبائل بني حسان والذين سيطروا على أغلب صحاري موريتانيا و جنوب المغرب بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر. قادميين من شبه الجزيرة مروراً بصعيد مصر مع حلفاءهم من بني هلال وبني سليم ضمن التغريبة المشهورة في التراث العربي.. وتعتبر من أفصح اللهجات العربية وذلك بحكم العزلة التي ظلت قبائل بني حسان النازحة من شبه الجزيرة العربية تعيش فيها داخل أماكن تواجدها وهي معظم الأراضي الموريتانية ومنطقة الصحراء الغربية...
      بدأ اتصال بني معقل بالتخوم الشمالية للمجال "الموريتاني" الحالي في القرن السابع الهجري 13م حيث  كانت هذه المنطقة هي المحطة الأخيرة للقوم بعد سفرهم الطويل عبر التاريخ والجغرافيا..

      لقد اختزلت لنا اللهجة الحسانية التي تعتبر أقرب اللهجات إلى العربية  الكثير من الزمن..   

     وبعودة مبرمجة الى  الجزيرة العربية وخاصة الحجاز  وبمقارنة اللهجات السائدة هناك باللهجة الحسانية سنرى مدى التغير الذي طرأ على تلك اللهجات في حين حافظت الحسانية على نقاوتها الابتعادها عن صراعات الأمم والحضارات :مثل العثمانيين مثلا..كما أن الاستعمار الفرنسي الذي أحتل موريتانيا لم يلبث كثيرا ورغم المدة التي قضاها في البلاد فقد حدت المقاومة الثقافية من تأثيره..

   وهذا ما ينسحب أيضا على النسل والمصاهرة حيث أن هذه القبائل ما زالت محافظة على سلالتها منذ وصولها إلى هذه الأرض.

ثانيا: سلسلة الأنساب المعتمدة عند كل أسرة من هذه القبائل وهي:

   عمني (الجد الجامع لأولاد عمني) ولد آكشار(الجد الجامع لأولاد آكشار) ولد آكمتار(الجد الجامع لآكميترات) ولدغيلان (الجد الجامع لأولاد غيلان) بن يحي بن عثمان بن مغفر (الجد الجامع للمغافرة بموريتانيا)بن أدي بن حسان بن المختار بن محمد بن معقل بن موسى الهراج بن محمّد بن جعفر الأمير بن إبراهيم الأعرابي بن محمد الجواد بن علي الزينبي أمه (زينب بنت علي من فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم)  بن عبد الله بن جعفر الطيار بن أبي طالب شهيد مؤتة رضي الله عنه.. (وتعتبر النسخ الأخرى على هذا الشكل قد تزيد أوتتقص)

     لكن هل هذه السلسلة صحيحة و ماهي أقوال العلماء والنسابة فيها؟

يقول عبدالرحمن ابن خلدون في الجزء السادس من كتابه العبر:
    وهم يزعمون أن نسبهم في أهل البيت إلى جعفر الطيار بن أبي طالب وليس ذلك بصحيح لأن الطالبيين والهاشميين لم يكونوا أهل بادية ونجعة والصحيح أنهم من عرب اليمن فإن فيهم بطنين يسمى كل منهما بمعقل أحدهما من قضاعة وهو معقل بن يسار بن سليم والآخر من بني الحارث بن كعب  قال: والأنسب أن يكونوا من بني الحارث بن كعب.).

    و من المؤرخين من نسبهم إلى جعفر بن أبي طالب كالناصري صاحب كتاب الاستقصاء الذي ألف في هذا الموضوع كتاباً سماه" طلعة المشتري في النسب الجعفري" وكذلك محمد المختار ابن الفقيه يحي الولاتي و صالح بن عبد الوهاب الناصري صاحب كتاب "الحسوة البيسانية في الانساب الحسانية   والأنوار في نسب آل النبي المختار إبن جزي لح الكلبي و عمدة الطالب في أنساب آل أبى طالب ل جمال الدين أحمد بن علي الحسيني المعروف (بابن عنبة)

   والذي يطالع ماكتب في هذا الموضوع  يلاحظ تباين الفريقين: فريق ينقل ما قاله ابن خلدون عن بني مَعْقِلْ دون تحقيق وفريق يجزم بجعفرية بني مَعْقِلْ...

    والآن لنضع هذا الكلام جانبا ولنعرض لبعض الحقائق التاريخية لنعرف مدى مصداقية كل من القولين؛

يقول العلامة والنسابة المختار ولد حامد ردا على ابن خلدون:

 قال ابن خلدون في صـــــ59 من جــ6 من كتاب العبر عند الكلام عن عرب المعقل ما نصه ((وهم يزعمون أن نسبهم في أهل البيت إلى جعفر الطيار بن أبي طالب وليس ذلك بصحيح لأن الطالبيين والهاشميين لم يكونوا أهل بادية ونجعة والصحيح أنهم من عرب اليمن فإن فيهم بطنين يسمى كل منهما بمعقل أحدهما من قضاعة وهو معقل بن يسار بن سليم والآخر من بني الحارث بن كعب  قال: والأنسب أن يكونوا من هذا الأخير )

    قوله (( لم يكونوا أهل بادية ونجعة )) قد يعارضه قوله في صــــــ5 من الجزء المذكور عند الكلام على جهينة إحدى بطون قضاعة ما لفظه ( ملأوا تلك القفار ونزل معهم في تلك المواطن من أسوان إلى قوص بنو جعفر بن أبي طالب حين غلبهم بنو الحسن بني علي على نواحي المدينة وأخرجوهم فهم يعرفون بالشرفاء الجعافرة )

   ومن معجم قبائل العرب لعمر رضا كحالة ما لفظه : (محمد بطن من الجعافرة أقام بمصر وغلب هذا الاسم على بني محمد بن علي عبد الله بن جعفر)

       فإذا ثبت بكلام ابن خلدون هذا وكلام عمر رضا كحاله أن طائفة من بني جعفر الطيار نزلوا الصعيد وكان بنو هلال مروا بتلك البلاد حين قدومهم إلى إفرقية الشمالية والصحراء فلا مانع من أن يكونوا جاؤوا في عدادهم كأحلاف لهم ولا يكون ذلك نصا في أنهم منهم ولا من عرب اليمن .

    وقد ألف صاحب الأستقصاء في نسبهم كتابا خاصا سماه طلعة المشتري في تحقيق النسب الجعفرية وهو الذي اعتمده الفقيه محمدالمختار ابن الفقيه محمد يحيى الولاتي في رده على ابن خلدون حيث قال:

كلام ابن خلدون كله ساقط من امور وهي:

     أحدهما :أن قوله أنهم دخلوا المغرب في عدد قليل  نعم وذلك يدل على أنهم من بني جعفر الطيار وهو أنسب من كونهم من بني الحارث بن كعب لأن الجعفريين نقلتهم من الحجاز الحرب التي وقعت بينهم مع العلويين أبناء الحسن والحسين وأمير الجعفريين جعفر بن إبراهيم الأعرابي بن محمد الجواد بن علي الزينبي بن عبد الله بن جعفر .

    وانتقل الجعفريون من مكة والمدينة إلى صعيد مصر ومنه انتقلوا مع الهلاليين إلى المغرب . وأما بنو الحارث بن كعب فمجرى العادة التي يعتد بها غالبا فإنهم في غاية الكثرة والقوة والرئاسة في اليمن ، حتى كان يقال لهم (( جمرة العرب )) وحسبك أنهم أخوال الخلفاء العباسيين ومنهم ملوك بني المدان الذين يضرب بهم المثل في العز والإباء فكيف تنفصل طائفة منهم عن وطنها وتدخل في عداد بني هلال الأجانب هذا مما تأباه العادة.
ثانيهما: قوله إنهم التفت عليهم قبائل كثيرة فكثروا بها فذلك دليل على أنهم من آل البيت لما علم من عادة الناس في الألتفاف بآل البيت ولو كانوا شرذمة قليلة من بني الحارث بن كعب عرب اليمن لم ينضم إليهم      وهؤلاء بنو معقل المنتسبون إلى جعفر بن أبي طالب يعرفون الدخيل فيهم من الأصيل إلى الآن...
ثالثهما: إنهم ينتسبون إلى جعفر بن أبي طالب ومازلوا على ذلك إلى الآن يعرفه الصغير والكبير منهم..  
  رابعهما: قوله إن الهاشميين والطالبيين لم يكونوا أهل بادية ونجعة وهل الحرب التي كانت بين بني جعفر وأبناء الحسن و الحسين إلا دليل على حالة البداوة والنجعة ؟ وهل كانت نقلتهم إلى صعيد مصر وإقامتهم بها إلى حال البداوة وقد ذكر هو من نفسه ذلك وقال : ماتكلم النسابيين على هؤلاء إلا ذكر أنهم أهل بادية ونجعة وذلك في المائة الثانية فما بعدها..

خامسهما : أن معقلا الذي هو من ذرية جعفر ابي طالب _بفتح الميم وكسرالقاف بوزن مسجد _ ومعقل الذي في بني الحارث بن كعب بضم الميم وفتح العين وكسر القاف مشددة بوزن معظم.. أنظر القاموس المحيط..وأين هذا من ذاك..
 

      ( إلى أن قال وحيث كانوا ينتسبون قديما وحديثا إلى جعفر بن أبي طالب وقامت القرائن القوية على صدقهم ، وعرفنا كيفية تدرج أحوالهم من انتقالهم من الحجاز إلى صعيد مصر ، ثم منه إلى صحراء المغرب الأقصى ، وعرفنا السبب في ذلك ونقله الأئمة الإثبات حرم علينا أن ننفيهم من نسبهم بلا دليل شرعي لأن سوء الظن بالمسلم حرام .

       هذا وقد قامت قرائن تدل على صحة نسب بني معقل إلى جعفر بن أبي طالب منها أن ابن خلدون لما فرغ من بني معقل ذكر من جملتهم بني الهراج _ بالراء لا الدال ولا الزاي على الصحيح _ والثعالبة وهؤلاء البطون الثلاث نص غيره على أنهم جعافرة صرحاء .. أما بنو الهراج فقد ذكرهم الأزرقاني بأنهم من ذرية على الزينبي بن عبد الله بن جعفر..  

      وقد ذكر ابن جزي  صاحب االتفسير من ذريته الأمير أبا كلاب وذريته بدرعة كثيرون منهم ولي الله تعالى القطب الشيخ سيدي محمد بن ناصر الدرعي .

      وذكر غير واحد من العلماء أن الثعالبة جعافرة صرحاء وممن ذكرهم من بطون جعفر الإمام الحسين السمرقندي في تحفة الطالب ومنهم أبو مهدي الثعالبي نزيل مكة وعرفه الإمام العياشي في رحلته بأنه من ذرية جعفر بن أبي طالب وكل من عرف الشيخ أبي مهدي هذا نسبه إلى الجعفريين كما في خلاصة الأثر والقادري في نشر المثاني ، والأفراني في الصفوة ، وأبي عبد الله السناوي وغيرهم فلم يبق ريب أن الثعالبة الذين هم أحد بطون بني معقل جعفريون وأما الشبانات فقد عرفهم ابن خلدون أنهم إخوة الثعالبة وبفاس وأعمالهم فرقة يقال الشرفاء الثعالبة مشتهرين بهذا الأسم وهم من جملة الأربيعين قبيلة الشرفاء المشهورين بفاس..

     من ما سبق نرى في تاريخ ابن خلدون رحمه الله أن بني الحسن و الحسين رضي الله عنهما حاربوا بني جعفر بالحجاز وغلبوهم عليه واجلوهم إلى صعيد مصر.. وفي مكان آخر يقول رحمة الله عليه أن  قوما من بني جعفر الذين نزلوا صعيد مصر قد ملاوا مابين أسوان إلى قوص ...

    وأنهم يحترفون هناك بالتجارة ويعرفون بالشرفاء الجعافرة ، واعترف  أن بني معقل انفصلوا عن إخوانهم الذين بالصعيد ودخلوا المغرب مع بني هلال و بني سليم كانوا ينتسبون إلى جعفر بن أبي طالب .... ومن الداخلين إلى المغرب من بني جعفر بنو الأمير أبي كلاب بن إبراهيم من ولد موسى الهراج بن محمد بن جعفر الأمير...

وتأسيسا على هذا الكلام نجد أن استدلال ابن خلدون  بالنجعة والبادية يعتبر دليلا ضعيفا

حسب كلامه السابق..

    فهم أهل بادية ونجعة يوم كانوا في الطائف/الحجاز،ويوم كانوا في صعيد مصر،ويوم اجتاحوا المغرب الإسلامي كله، ويوم وصلوا إلى موريتانيا.

    وهم لا يدعون أن {معقل} في أنساب الطالبيين خصوصا أو قريش عموما، إنما يدعون أنه في أنساب الجعفريين، إذ ينتسبون إلى:

{معقل ابن موسى الهداج ابن جعفر الأميري ابن إبراهيم الأعرابي ابن محمد الجواد ابن علي الزينبي"نسبة إلى زينب بنت علي بن أبي طالب" ابن عبد الله بن ابي طالب].

 

وبالتالي فاستدلاله على أنهم (ليسوا إطلاقا من المحتد القرشي و أنه لا وجود لمعقل في أنساب قريش عموما والطالبيين خصوصا)  لا وجه له لأنهم إنما ادعوا كونه من ذرية {جعفر}،وخلو آباء جعفر من الطالبيين خصوصا  والقرشيين عموما من {معقل}ليس دليلا على عدم وجوده في ذريته.

    ينتمي بنو حسان إلى قبائل بني معقل التي يرتفع نسبها إلى جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وكان بنو معقل وبنو سليم يعيشون في الجزيرة العربية واشتهروا فيها بالحدة وعدم الرضوخ لسلطان الدولة.. وانقسم بنو معقل إلى ثلاثة فروع ذوي عبيد الله وذوي منصور وذوي حسان...
  قبائل بني حسان منحدرة من قبائل المعقل العربية ,و المعقل يرفعون نسبهم الي الجعافرة , نسبة الي جعفر بن ابي طالب رضي الله عنه و قد اعقب جعفر الطيار تسعة اولاد . لثلاثة من اولاده عقب هم:

جعفر الاصغر ,و محمد الاكبر  وعبدالله الاكبر ومن هؤلاء نشأ الجعافرة و انتشروا ..  

 ثم ان بني جعفر كانوا في اول عهدهم حول المدينة المنورة حتي وقع خلاف حاد مسلح بين بني علي و بني جعفر الطاليبين جميعا حول إمارة الحجاز مما ادى في النهاية إلي نشوب حرب بينهم كانت سببا في نزوح طائفة كبيرة من بني جعفر بن ابي طالب الي صعيد مصر ..  

    و من صعيد مصر كانت بداية هجرة هذه القبائل العربية الثلاثة (بني هلال بني سليم ,و المعقل) نحو الغرب مستهدفين السيطرة علي القيروان , وعلي إثر تلك الهجرة انتشروا عبر سياق تاريخي يمتد عبر قرون عديدة في مختلف أرجاء بلدان ما يعرف اليوم بالمغرب العربي , وكان لهم أثر كبير في ما وصلت إليه اليوم بلدان هذه المنطقة من التعرب..
      كان المعقل عند وصولهم إلى المغرب قليلي العدد ,يقال إنهم لم يبلغوا المائتين وإنما كثروا بمن اجتمع إليهم من القبائل من غير نسبهم ,فقد انضم مثلا إلى المعقل بعض الهلاليين أحلافهم القدماء , وفي محط رحلهم الجديد ملوية وتافيلالت كان المعقل في جوار مباشر مع بطون كثيرة من قبيلة زناتـه
والمعقل مع مرور الزمن عفوا وكثروا وانبتوا في صحاري المغرب الأقصى, فعمروا رماله و تغلبوا علي فيافيه. وتشكل الفضاء المعقلي الكبير حول بطون رئيسية ثلاثة ,هي: بني حسان , بني منصور , بني عبيدالله , وهناك بطون ثلاثة أخرى تذكرها المصادر التاريخية كذلك في عداد المعقل:الثعالبة, الشبانات, الرقيطات . و المعقل هم حلقة الوصل بين الجعافرة الاولين وبني حسان الاخيرين
      موطنهم درعة والساورة وتيديكلت إلى المحيط الأطلسي، وينزل شيوخهم في بلد نول قاعدة السوس فيستولون على السوس الأقصى وما إليه، وينتجعون كلهم في الرمال إلى مواطن الملثمين من كدالة ومستوفة ولمتونة وقد أستولو علي تلك البلاد المعروفة حاليا بموريتانيا وفرضو لهجتهم العربية المعروفة بالحسانية نسبة اليهم وقد أنشأو الإمارات الحسانية ولنا الآن أن نسأل من هم آل جعفررضي الله عنه؟ وهل في عقبه من يحمل هذا الاسم؟لنتبين جانبا من الحقيقة!

 آل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه::
   له من المعقبين واحد، وهو عبد الله أبو جعفر الجواد، وهو من الأسخياء الأربعة من بني هاشم، وهم: الحسن، والحسين، وعبد الله بن جعفر هذا، وعبيد الله بن العباس بن عبد المطلب. ولد بالحبشة، وتوفي بالمدينة وهو ابن تسعين سنة.
ولعبد الله الجواد أربعة من المعقبين هم: علي أبو محمد الزينبي؛ أمه زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين"؛ وأمها فاطمة الزهراء، وإسحاق أبو جعفر الأطرف المعروف بـ "العرصي" وعرص: دكة خربت بين تيماء وخيبر. وإسماعيل، ومعاوية.
    أما علي الزينبي، فله ابنان معقبان؛ الأول: محمد أبو جعفر الجواد ذو الشرفين، كان من أجمل الناس وجها، أمه لبابة بنت عبد الله ابن العباس بن عبد المطلب..
وابنه الثاني: إسحاق الأشرف، وأمه لبابة أيضًا   أما محمد الجواد ابن علي الزينبي، فله من المعقبين أربعة:

     إبراهيم الأعرابي مات في حبس الرشيد، وعيسى، ويحيى، وعبد الله أبو الكرام الأكبر السيلقي الرئيس.... 
    أما إبراهيم الأعرابي، فله من المعقبين خمسة: جعفر الأمير بالحجاز، وعبد الله بالبادية، ويحيى؛ وفي عقبه خلاف، وعبد الرحمن؛ قيل: انقرض، ومحمد أبو هاشم.
           أما جعفر الأمير ابن إبراهيم الأعرابي، فله من المعقبين تسعة: محمد أبو الحسن، وعبد الله الخلصي الخفافي، وإسماعيل بالبادية، وعيسى الخلصي التلميسي، وموسى الخفاجي، ويعقوب، وداود، وإبراهيم، ويوسف الأمير.
           أما محمد بن جعفر الأمير ابن إبراهيم الأعرابي، فله من المعقبين خمسة: داود، وإدريس، وعيسى، وإبراهيم؛ أمهم زينب بنت موسى الجون، وصالح. وكان له ابن آخر موسى الهراج، قيل: له عقب يعرفون بـ "بني الهراج".
أما داود بن محمد بن جعفر بن إبراهيم الأعرابي، فله من المعقبين ستة: عبد الله، ومحمد الجيلي، وجعفر، وسليمان، وأحمد، ومحمد الطويل الأكبر. والعدد في ولد عبد الله وأحمد...
           أما عبد الله بن داود، فله ثلاث عشر من المعقبين: إبراهيم؛ له عقب كثير في بلدان شتى، ويوسف؛ له عقب كثر، وأحمد؛ عقبه بالحجاز، ومحمد أبو الفضل الطويل؛ له عقب قليل، وإسحاق؛ له أعقاب، وداود؛ له عقب قليل، وإدريس؛ له عقب كثير بالحجاز، وسليمان؛ له أعقاب، وموسى؛ له عقب كثير بالحجاز، ويحيى؛ له أعقاب، وعلي، وصالح، وعيسى؛ عقبهم بالحجاز..

   إذا واستنادا إلى هذه المعلومات فان انتماء بنو حسان إلى قبائل بني معقل التي يرتفع نسبها إلى جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه صحيحة وذالك نتيجة لتطابق سلسلة الأنساب مع عقب جعفر رضي الله عنه واليك عزيزي القارئ هذه السلسلة مرة أخرى:

مغفر (الجد الجامع للمغافرة بموريتانيا)بن أدي بن حسان بن المختار بن محمد بن معقل بن موسى الهراج بن محمّد بن جعفر الأمير بن إبراهيم الأعرابي بن محمد الجواد بن علي الزينبي أمه (زينب بنت علي من فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم)  بن عبد الله بن جعفر الطيار بن أبي طالب شهيد مؤتة رضي الله عنه.. (وتعتبر النسخ الأخرى على هذا الشكل قد تزيد أو تتقص)

     ومما يؤكد هذا شهادة العلامة محمد الحسن ولد الددو الشنقيطي حيث أكد لي صحة هذه السلسلة أطال الله عمره و كذالك خاله العلامة محمد سالم ولد عدود رحمه الله عليه الذي قال في وثيقة له ما لفظه:  (... وأن الذي عليه عامة المؤرخين من أهل هذه البلاد من العلماء العدول أن المغافرة أولاد مغفر بن أدي بن حسان ينتهي نسبهم إلى علي بن عبد الله بن جعفر بن ابي طالب و أن عليا هذا أمه زينب بنت علي أمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه و على آله وسلم.)
كتبها و حررها: رئيس المحكمة العليا للجمهورية الإسلامية الموريتانية العلامة محمد سالم بن عدود رحمه الله و غفر له.

هذا بالإضافة إلى كثير من الأشعار لعلماء ثقات نذكر منهم للحصر:

 العلامة الفقيه اليدالي الموريتاني المتوفي 1166هجرية
  يمدح احد قادة بني حسان:
وذالك عن حسان المجد والعلي ========= علي منار الصيت ذي المكر والقهر
سلالة عبد الله وهو ابن جعفر ========= الشهيد العلي الطيار ذي الفتكة البكري
هم العرب العرباء من سر هاشم ======== صميم قريش ينتمون الي فهري
 

وهذا العلامة البدوي يقول في عمود النسب عن العرب عامة والزيينبين خاصة:

حمدا لمن رفع صيت العرب          وخصهم بين الأنام بالنبي

وعمهم أنعامه بنسبه                     فدخلوا بيمنها في زمرته

..................................................................
            بنت علي زينب تفننوا  .من الجعافر الزيانب بنو
من ابنها ابن القرم عبد الله         ذي الجود عدنان به تباهي    

 

وكذالك العلامة الجليل : سيد المختار ابن الطالب ألمين المتوفي سنة  1232 هجرية

:
الحمد لله الذي في الكتب=== جميعها أوجب حفظ النسب
وأجمع اليوم عليه العلما=== فصار حتما لازما مسلما
لذا أردت أن أبين نسب == بني علي في الذي عندي رسب
فهم بنو زينب ذات المنصب== بنت الإمام علي صهر النبي
شقيقة السبطين من أم وأب=== وقد كفى من حسب ومن نسب
من نجل عبد الله إبن جعفر=== الهاشمي ذي العلى والمفخر
كما نقلت عن أكابر السلف=== مسلسلا عن خلف عمن سلف
حتى بقي في الكتب والدفاتر=== وصار منقوشا على المقابر
وذاك من دليلنا على شرف=== نسبتنا كما حكاه من عرف
بينت ذا بأوضح البيان=== بقاطع الدليل و البرهان

ارجوا أن اكون وفقت الاستعراض الخطوط العريضة لكتاب قيد الانجاز بعنوان:جعفرية المغافرة بين لسان الحال ولسان المقال.

الهوامش:

   مقدمة ابن خلدون  تحقيق: عبد الله محمد الدرويش,الطبعة الأولى , دار يعرب سنة 2014 م

   العبر وديوان المبتدأ و الخبر في أيام العرب والعجم ومن عاصرهم من السلطان الأكبر,تح,أبوصهيب الكرمي,ط تونس 2009م

.
   تحفة الإبهاج في تاريخ أصول وفروع آل الطيار الجعافرة الزيانبة بني حسان من أعقاب معقل بن موسى الهراج : النسابة الجعفري المدني حسان بن محمد علي بن عمر الزينبي الجعفري الطيار الطبعة الأولى 2010م / 1431 هـ

 

    جامع الدرر البهية لأنساب القرشيين في البلاد الشامية للدكتور كمال الحوت الحسيني، ط الأولى بيروت 1424 هـ / 2003 م.
 

 

الأنوار في نسب آل النبي المختار إبن جزي الكلبي (ولد في شوال 721 هـ الموافق 1321 م في غرناطة، وتوفي في 29 شوال 757 هـ الموافق 1356 م في فاس،المغرب.

 

طلعة المشتري في النسب الجعفري: أحمد بن خالد بن حماد الناصر أبو العباس  ((1250 - 1315هـ = 1835 - 1879م

) طبعة فاس,المغرب سنة: 1320هجرية

 

    لاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى المؤلف : أحمد بن خالد الناصريالمحقق : ولدا المؤلف أ. جعفر الناصري و أ. محمد الناصري الناشر : دار الكتاب - الدار البيضاء سنة الطبع : 1997م

 

المختار بن حامد: بنو حسان، (الجزء العشرون)، منشورات الزمن، الرباط، 2009.

المختار بن حامد، حياة موريتانيا.. حوادث السنين.. تحقيق د سيدى أحمد بن أحمد سالم، دار الكتب الوطنية فى هيئة أبوظبى للسياحة والثقافة، 2011.

      الحسوة البيسانية في معرفة الأنساب الحسانية للقاضي والمؤرخ صالح بن عبد الوهاب الناصري رحمه الله تعالى (توفي 1854). وهو مرجع أساسي في هذا الباب وقد برع مؤلفه فيه مقدما معلومات غزيرة ومتعرضا للأنساب والحوادث التاريخية وشارحا بعض الأحداث. 

   محمد المختار ولد السعد الإمارات والنظام الأميري الموريتاني  ط1 2007م - شركة أبو ظبي للطباعة والنشر الامارات العربية المتحدة

المواقع:

البوابة الموريتانبة للتنمية دراسة كتاب التاريخ الموريتاني

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

 

             

الابتزاز عند الغرب.. السلاح البتار في وجه استقلالية القرار / الولي ولد سيدي هيبه

طالعنا البرلمان الموريتاني يوم الثلاثاء 23 دجمبر 2014 بتوصية أصدرها خلال جلسة علنية دعا فيها البرلمان الأوروبي إلى الابتعاد عن التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان. و إذ التوصية قد أخذت بالإجماع فإنه بذلك يكون  البرلمان قد سجل، بحس وطني رفيع و شجاعة استثنائية كبيرة في محلها و إرادة بالغة الوعي بقصد الإهانة و الإملاءات المبيتة و المساعي الجائرة للمجموعة الأوروبية، بموقفه الوطني المشرف الذي صنعه لنفسه خلال مأموريته الجارية و استنصاره الباهر للوطن بالتأكيد على ضرورة الحفاظ و الدفاع عن استقلاليته في اتخاذ قراراته و تسيير شؤونه السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و في ترتيب بيته الداخلي بما يمليه دستوره و تحدده مسطرته القانونية و الأخلاقية التعاملية و تصوغه شريعته الإسلامية السمحة.

و قبل ذلك فقد اتخذ الرئيس ولد عبد العزيز موقفا صارما و واضح معالم الاستقلالية في القرار صرح به خلال مؤتمر صحفي عقده في قصر المؤتمرات على هامش قمة دول الساحل الخمسة التي أعقبت قمة مسار نواكشوط معلنا فيه رفضه الصريح للتوصيات التي تقدمت بها المجموعة الأوروبية حول شؤون بلده الداخلية في صيغة أقل ما فيها أنها لم تلامس بأي شكل من الأشكال روح التشاور و تقريب وجهات النظر التي تسمح بها الدبلوماسية الناعمة المرنة و إن كان معلوما أيضا أن الحيز و منه الزاوية الارتكازية التي يجري فيه ذلك جد ضيق بحكم وجوب استقلالية كل بلد في قراراته التي تحدد مساراته و تحفظ توازناته و تؤمن استقراره و تلبى حاجيات تنميته.

و هو بذلك التصريح قد أعطى ردا صريحا و حدد موقفا مجلجلا و وضع الأمور في نصابها كما أعطى إشارات واضحة للشعب الموريتاني بأن ثمة حدودا لا ينبغي لأي كان أن يتجاوزها حيث هي شأن يصونه البلد و هو مستند إلى المواثيق و المعاهدات الدولية التي وقعها و يعمل بمقتضاها و منها ما ورد في ميثاق الأمم المتحدة بأنه لا يحق لأية دولة أو مجموعة من الدول أن تتدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ولأي سبب كان، في الشئون الداخلية والخارجية و كذلك لأية دولة أخرى؛

و لكن أغلب الدول الغربية ما زال يتصرف لأسباب جد متناقضة بمنطق الاستعمار الذي أزاحته شعوب دول العالم عن كاهلها بفضل النضال و الكفاح المسلح الضاري، و لما كان أمر خروجه قد جرى بالقوة فقد عمد على استبدال الاستعمار المدحور بـ"استعمار جديد" ماكر اعتمد الحيل و المغالطات و الضغوط الاقتصادية و إذكاء النعرات الطائفية و الخلافات الايديولوجية لتفكيك أواصر الشعوب و إبقاء إمكانية الحد من خطورة تفجيرها بيد "بيادقه" و في متناول تدخلاته و إملائاته. و هو الاستعمار الذي استطاع أن يحفظ لهذا الغرب الذي يتهدد الأفولُ هيمنتَه، تلك القدرة الفائقة على إشعال الفتن و النزاعات و الحروب في  الشرق الأوسط و في القارة الإفريقية و التدخل في الشؤون الداخلية لدولها و استسهال استنزاف مقدراتها الكبيرة دون إفادتها منها إلا بالقدر الذي يضمن تبعيتها و الاحتياج الدائم إليها.

و في هذا السياق بالتحديد فإن الشواطئ الموريتانية و ما تزخر به من ثروة سمكية كبيرة و نوعية ظلت إلى عهد قريب فضاء حرا تمرح فيه أساطيل بواخر الغرب تنتقي منه ما تشاء من الرخويات و الحيتان و الأسماك و تدفع ما تشاء من قليل المال و تؤدي من ضعيف الصيانة للبيئة البحرية و قليل المشورة الفنية للقائمين على القطاع و يسير الاستثمار في مجال الصيد عموما و استغلال مقدراته عموما. جوقة ظلت تقرع طبولها و تصم الآذان عن  القول برفضها حتى كان إدراك ذلك منذ سنتين أو ثلاث مع تبلور وعي جديد بأهمية إعادة النظر في كل الاتفاقيات المجحفة التي يقدم بنودها و اشتراطاتها و تفاصيل تنفيذه المجموعة الأروبية وحدها تستحوذ بموجبها على الثروة السمكية و تلقي بفتات موائدها منه إلى بيادقها في الدولة من المرتشين و العملاء و العراة من أستار الضمير، فكانت الصدمة الأولى.

و لما أن الغرب كان يعلم حاجته إلى هذه الثروة التي وهبها له ضعف السياسة المنتهجة قد أدرك أن عهد الغفلة قد ولى و أن مدركا جديدا قد أزال عن عينيه غشاوة العمى، فإنه دخل في مفاوضات أحس فيها برياح نفس ارتدادي و صرامة وليدة تقدر الموقف و تقف عند المصالح كاملة بمهارة ربان يحسن الإبحار.

و مضت مرحلة و جاءت بعدها أخرى تتطلب تجديد العهود على قياسات التغيرات الجديدة و مواكبة المستجدات على خارطة الأسواق و سياق التبادلات الناتجة، فكان لزاما على الدولة أن توائم متطلبات المرحلة و تحافظ على التوازن و الندية و المساواة في تقاسم منصف للمصلحة.

و لكن إصرار موريتانيا على أن يتم التفاوض على أسس الندية التي يفرضها طبيعيا واقع الأمر و سجية الأشياء و من منطلق إدراك حيثيات هذا التفاوض و القدرة على المناورة العلمية المتسمة بالمسؤولية للوصول إلى إبرام اتفاق متوازن لا يهدر مقدرات البلد و يضمن للطرف الآخر تموين سوقه من الأسماك و غيرها في حدود المسموح به من الصيد البحري، جعل المجموعة الأوروبية تدرك خطورة المنعطف على نفوذها الغاشم و مصالحها السهلة في حظائرها المحروسة مما يستدعي الرد بقوة.  

و طبيعي أن تكون القضايا الحساسة الداخلية للدول المستهدفة، بردات الفعل الانتقامية أو الابتزاز الممنهج، بؤرَ حمل الأذى و تحريك المياه الراكدة و خلق منصات إطلاق البلابل و القلاقل و الاضطرابات الأمنية و من ثم فتح أبواب التدخل السافر و اتخاذ القرارات و تصدير الأحكام.

و طبعا فقد جاءت توصيات المجموعة الأوروبية في أعقاب ما أبان عنه الموفق الموريتاني، من صلابة في المفاوضات و رفض جازم بتسليم زمام الأمور و القرارات النهائية للطرف المفاوض، لتثبت عدم براءتها من أنها كانت دون أدنى شك ردة فعل عارية اكتست طابع الابتزاز و خلط الأوراق لإضعاف موقف الطرف الذي أصبح خصما عنيدا بعدما دافع عن مصالحه و مقدرات بلده السمكية.. ليس إلا.

و هذا لا يعني مطلقا أن القضايا الوطنية الداخلية و البالغة الحساسية التي يعاني منها البلد حقوقية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية لا تلقى ما تستحق من المعالجة الفورية العادلة و الرصينة و أن لا تحصل مطلقا في أجواء تطبعها الشفافية و الديمقراطية حتى يتبين فيها الغي من الصواب و تفضي بنهاياتها إلى ما تستحقه البلاد من الطمأنينة و السكينة و العدل و هي التي تتهددها، بفعل عوامل الجهل و التخلف و صمود أوجه من الإقطاعية و الرجعية، أشباحُ تدهور أمني لا تخفى بعض ملامحه و إرهاصاته الخطيرة و كذلك اتساع شروخ غائرة في النسيج المجتمعي تجسدها المطالب الفئوية المتنامية و الهوة السحيقة المتسعة باضطراد بين الأغنياء و الفقراء و استعصاء السيطرة على الأنسجة "المفيوزية" المتعاطفة مع بعضها في وجه آليات التفتيش و المراقبة و الرصد و المحاسبة على خلفية اعتبارات "هجينة" جديدة توائم بين القبلية و العشائرية و الإثنية بزعاماتها الأسرية و رموزها و وجهائها دون الغالبية منها، و الطبقية بانتقاء أبرز الرموز فيها و الواعين بواقع الأمور و فسادها و ما تسببه من سباق محموم إلى النهب و التبذير و فساد المال العام في غياب تام للوازعين الديني و الوطني.. أو ليس متسع من الأسباب تشكل حوافز لا ينضب معينها لغرب يفعل كل شيء للحفاظ على مصالح فقط .. ويعمل بمقتضى أنا و من بعدي الطوفان؟

 

 

من أجل حل أزمة الحراك

من المؤسف جدا أن ينتهي حلم شبابي بحراك سياسي فاعل ونشط بحراك قضائي في أروقة العدالة ، هذا ما وصل إليه حزب الحراك الشبابي في آخر حلقات مسلسل البحث عن المصالح الآنية والضيقة ضيق أفق أصحابها مدمرين بذلك حلم آلاف الشباب الموريتاني المؤمنين بضرورة تجديد الطبقة السياسية في قطيعة مع ممارسات الماضي من إستغلال للنفوذ الكاذب والتخابر والتآمر والتخندق المافيوي وتحويل العمل السياسي إلى بحث عن ميزات ومناصب مفرغينه من معناه .
لقد كنت من أوائل المنادين بخلق فضاء سياسي شبابي تمتحن فيه قدرات الشباب السياسية بعيدا عن إستغلالهم كوقود ومحرك للحملات الإنتخباية والإستغناء عنهم وتهميشهم بعدها، ومع بداية مشروع حزب العصر الذي تحول فيما بعد حراكا وأنشقت عنه مجموعات لأسباب مختلفة تشكل منها حزب الوحدة والتنمية وحزب الوفاق ومجموعة مستقلة مازالت تبحث عن تحقيق حلم الشباب بإطار سياسي فعّال .
مع انطلاقة حزب الحراك وفي أيامه الأولى تم تسجيل أكثر من ستة آلاف شاب موريتاني من حملة الشهادات ومن مختلف التخصصات ومن شتى المشارب السياسية ،كانت بداية قوية ومشجعة ومفعمة بالعمل الوطني الجاد والهادف لتسريع وتيرة تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية المؤمن بضرورة إشراك الشباب في صنع القرار تصورا وتخطيطا وتنفيذا ، اليوم يتحول الصراع من السياسة إلى القضاء ، صراع أرفض دخوله لأيماني بأن الحل يكمن في الداخل وبالطرق المحددة في النظام الداخلي للحزب وبالتشاور والحوار ونبذ روح التآمر والإقصاء والعودة إلى قرار ضامني الحزب لدى وزارة الداخلية وتشكيل لجنة أزمة من الضامنين السبعة تسير الحزب في إنتظار إنعقاد مؤتمر طارئ لإنتخاب هيآت قيادية بعيدا عن المحاكم ، وحتى نكون أهلا لحمل لواء التغيير البنّاء ومشاركين في حملة البناء الوطني وحتى نعيد الأمل لشباب الأمل.
محمد ولدعبد القادر ـــ من مؤسسي وضامني حزب الحراك الشبابي

 

هل موريتانيا مهددة بوباء الايبولا ؟!..هواجس مشروعة..!!

المرابط ولد محمد لخديم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

    انتشرت في الأشهر الماضية في مدينة نواكشوط إصابات بحمى غير معروفة تصيب جميع أفراد الأسرة، وتستمر لأيام...
 وكان أول ظهور لها في مقاطعة تيارت التي اصبحت تعرف باسمها وقد تسببت في البداية في إقبال كبير على مستوصف تيارت، إذ تجاوز قدرته الاستيعابية في بعض الأوقات ثم بعد ذالك امتدت إلى جميع المصالح الصحية العامة والخاصة في زمن قياسي...وان كانت هذه الحمى غير خطيرة نسبيا حيث  استطاعت المصالح الصحية السيطرة عليها وذالك بعلاج المصابين بحقنة حمى الناموس وتجاوبهم مع الدواء... فان سرعة انتشارها تثير مخاوف خطيرة..زرت اكثرية مقاطعات العاصمة لكي استقصي وأتعرف على المرض عن كثب وفي اثناء جمعي للتفاصيل ومعاينة الكتابة تولدت لدي تساؤلات وهواجس:ماذا لوكان هذا المرض الى قدر الله الايبولا؟ وماهي الاجراءات التي ستتخذ آن ذاك؟ ونحن عاجزين عن تشخيص حمى تيارت؟

 
       لم أصدق كعادتي ما كتب عن المرض محليا وكان علي أن أسافر إلى ولاية لعصابة لأقطع الشك باليقين  انطلقت من انواكشوط الى كيفة عاصمة الولاية وكان من حسن حظي أن تزامن وصولي مع  انطلاق الحملات التحسيسية ضد المرض المنظمة من قبل وزارة الصحة وكنت من ضمن الفريق المتوجه إلى القرى الموريتانية التي تحد الجارة دولة مالي الشقيقة صحبة الوالي وحاكم كنكوصة والمدير الجهوي للصحة..كانت الرحلة شاقة ومضنية..

       وكنا كلما مررنا على قرية  يلتقي الوالي بالمواطنين ويستمع إليهم ويخاطبهم مباشرة
  متكلما عن  خطورة مرض الايبولا ثم يعقب بعده مدير الصحة مستعرضا أسباب المرض والوقاية منه....

     والحمد لله إلى حد الآن لم تسجل أي حالة في موريتانيا إلا أن الحذر يبقى واجبا دائما... 

لكن ماهو مرض الايبولا؟

       يعتبر الإيبولا المعروف سابقاً باسم (حمى الإيبولا النزفية)، من أخطر الأمراض الفيروسية التي تصيب الإنسان وغالباً ما يكون قاتلاً ظهر لأول مرة عام 1976م في نزارا بالسودان ويامبوكو بجمهورية الكونغو الديمقراطية،(زايير سابقا) وقد انتشر آن ذاك في قرية تقع على مقربة من نهر إيبولا الذي سمي باسمه لاحقا..

      وتعتبرالحالة المندلعة حالياً في غرب أفريقيا الأكبر ولأعقد انتشارا للمرض منذ اكتشاف الفيروس إذ تسببت في حالات ووفيات أكثر من جميع الحالات الأخرى مجتمعة.

       وقد تفشت وانتشرت بين البلدان بدءاً بغينيا ومن ثم عبرت الحدود البرية إلى سيراليون وليبيريا وانتقلت جواً إلى نيجيريا (بواسطة مسافر واحد فقط) وبراً إلى السنغال (بواسطة مسافر آخر) ثم إلى مالي وبالذات مقاطعة خاي المجاروة لنا..

    ولا تمتلك البلدان الأشد تضرّراً بالفاشية، وهي غينيا وسيراليون وليبيريا، إلا نظماً صحية ضعيفة جداً وتفتقر إلى الموارد البشرية والبنية التحتية اللازمة....

أعراض المرض:

     تترواح فترة حضانة المرض، أي تلك الممتدة من لحظة الإصابة بعدواه إلى بداية ظهور أعراضه، بين يومين اثنين و21 يوماً.

   ولا ينقل الإنسان عدوى المرض حتى يبدي أعراضه، التي تتمثل أولاها في الإصابة فجأة بحمى موهنة وآلام في العضلات وصداع والتهاب في الحلق، يتبعها تقيؤ وإسهال وظهور طفح جلدي واختلال في وظائف الكلى والكبد، والإصابة في بعض الحالات بنزيف داخلي وخارجي على حد سواء ( مثل نزول الدم من اللثة وخروج الدم في البراز).

انتقال المرض

   يُعتقد أن الخفافيش هي المضيف الطبيعي لفيروس الإيبولا. وينتقل فيروس الإيبولا إلى تجمعات السكان البشرية عن طريق ملامسة دم الحيوانات المصابة بعدوى المرض أو إفرازاتها أو أعضائها أو السوائل الأخرى من أجسامها، مثل القردة...

     ومن ثم تنتشر الإيبولا من خلال سريان عدواها من إنسان إلى آخر عبر الملامسة المباشرة لدم الفرد المصاب بعدواها (عن طريق الجروح أو الأغشية المخاطية) أو إفرازات ذاك الفرد أو أعضائه أو سوائل جسمه الأخرى، وبملامسة السطوح والمواد الأخرى الملوثة بتلك السوائل (كالمفروشات والملابس)...).

      وكثيراً ما يُصاب عاملو الرعاية الصحية بالعدوى عند تقديمهم العلاج للمرضى المصابين بحالات يُشتبه فيها أو مؤكدة من مرض فيروس الإيبولا. وقد حدث ذلك من خلال ملامسة المرضى مباشرة من دون تطبيق صارم للإرشادات المتعلقة بمكافحة عدوى المرض..

      ويمكن أن تؤدي أيضاً مراسم الدفن التي يلامس فيها المشيعون مباشرة جثة المتوفى دوراً في انتقال فيروس الإيبولا...

     ويبقى المصابون بالمرض قابلين لنقل عدواه إلى الآخرين طالما أن دماءهم وإفرازات أجسامهم، بما فيها المني، حاوية على الفيروس. وتبيّن أن بإمكان الرجال المتعافين من المرض أن ينقلوا الفيروس أيضاً بواسطة السائل المنوي الحامل للعدوى بعد مدة تصل إلى سبعة أسابيع عقب تعافيهم من المرض....

.
إذاً …ما العمـــل ؟؟

الوقاية من المرض ومكافحته
 

       تتوقف جودة مكافحة فاشية المرض على تنفيذ مجموعة من التدخلات، ألا وهي تدبير الحالات علاجياً وترصد مخالطي الحالات وتتبعهم وتقديم خدمة مختبرية جيدة والاضطلاع بمراسم الدفن الآمن والتعبئة الاجتماعية.

   ومن الضروري إشراك المجتمع المحلي في الأمر لتكليل مكافحة فاشيات المرض بالنجاح. وتوعية الأفراد بعوامل خطر الإصابة بعدوى الإيبولا وتدابير الوقاية منها التي بإمكانهم اتخاذها من الوسائل الفعالة لتقليل معدل انتقال عدواها بين صفوف البشر.

   كما ينبغي أن يداوم عاملو الرعاية الصحية على اتخاذ الاحتياطات المعيارية عند تقديم الرعاية للمرضى، بصرف النظر عن تشخيص حالة المرضى الافتراضية. وتشمل: نظافة اليدين الأساسية ونظافة الجهاز التنفسي واستعمال معدات الوقاية الشخصية (منع تطاير الرذاذ أو غير ذلك من حالات ملامسة المواد الحاملة لعدوى المرض) واتباع ممارسات آمنة في ميدان حقن المرضى ودفن الموتى...

     ليس متاحاً أيُّ علاج حتى الآن للمرض،لذا يجب  العمل على تعزيز  الفرق الطبية والأمنية على الحدود بكل ما يلزم من وسائل مادية ولوجستية لأداء أعمالهم...
      إن كل الجهود التي بذلت وستبذل لن تجد نفعا، مالم نتجاوب معها  أفرادا وجماعات ونتعاون بشكل فعال مع الجهات المختصة ونبلغ فوريا عن كل حالة يشتبه بها...

  وتبقى هواجس الخوف من هذا الوباء قائمة مالم يتعاون الجميع حكومة وشعبا في دحر هذا المرض القاتل الذي أصبح قريبا منا وكأننا نتكلم بلسان شاعر كرو العامي القائل:

أرع من غريب امسك              لاتكبل غريب أتمس

من مرض الايبولا عسك         عاد أكريب منكم عس

الهوامش

منظمة الصحة العالمية (بالتصرف)

الآن تذكرت من هو ولد بايه

لم أسمع عن السيد أحمد ولد بايه من قبل، ولا عن ماضيه ولا مساره المهني، قبل الزوبعة الأخيرة حول تصريحه عن مصادره المالية، والتي لم أجد فيها ما يبرر مهاجمته حتى قبل أن أعرف من هو، ولم أكن كذلك أعرف من هو عمدة مدينة ازويرات التي هي ـ بالمناسة ـ إحدى عواصم الولايات الثلاث من بين عواصم ولايات الوطن التي لم تطؤها قدمي، ولا وطئت حدودها منذ أن خرجت إلى الدنيا، إلا بعد تلك الزوبعه. لكنني عندما رأيت الصوره المتداولة للرجل، إذا بشيء لم أستطع تحديده يشدني لصاحب تلك الصورة، متسائلا في نفسي أين ومتى رأيته من قبل، وما السبب الذي جعل صورته تعلق بذهني، بخلاف مئات الصور والوجوه التي أراها يوميا دون أن أحتفظ لها بنفس الشعور؟

ورغم أنني اطلعت من خلال الضجة التي صاحبت تصريحه، على أنه كان يرأس مندوبية الرقابة والتفتيش، وأنه قاد المفاوضات الأخيرة مع الاتحاد الأروبي، إلا أن ذلك لم يسعفني في الإجابة على سؤال أين ومتى رأيت الرجل من قبل، ولماذا حفرت صورته لنفسها حفرة إعجاب بذاكرتي؟ إلى أن طاف علي هاتف يقول إن هذا الشخص ليس سوى الرجل الذي كنت أتابعه في إحدى الأماسي على شاشة التلفزيون الوطني، قبل ترشحه وفوزه عمدة لمدينته، وهو ضيف في برنامج عن اتفاقية الصيد الأخيرة مع الاتحاد الأوربي، والتي رغم أهمية بنودها، وما راعته وأصرت عليه من مصالح البلاد مقارنة بالاتفاقيات السابقة، لم تكن هي ما جعلنى أهتم بذلك البرنامج، واحتفظ للرجل بتقدير كبير، وإنما معلومة قالها عندما طلب منه مقدم البرنامج كلمة أخيرة كالعادة عند نهاية كل برنامج، فقال إنه خلال مساره المهني كعسكري خدم في معظم مناطق البلاد، واطلع على أحوال ساكنتها وظروف عيشهم، تولد لديه حلم بأن تصل الأسماك إلى كل شبر من أرض الوطن، وأن ذلك الحلم رافقه طيلة مساره المهني، وعمل على تحقيقة وسعى في كل ما يقربه من ذلك الهدف، إلى أن أصبح من فاعلي قطاع الصيد من خلال إدارته لمندوبية الرقابة والتفتيش. والآن ـ يقول ـ توفرت الإرادة السياسية، ورصدت الوسائل واتخذت الإجراءات لتحقيق ذلك، واليوم أغادر القطاع وأنا مرتاح البال بعد أن حققت حلمي..

أنا أيضا عملت في عدة مناطق داخلية، وكنت أمضي الأيام والليالي بين أناس لا يتوفر لديهم من مصادر البروتين إلا اللوبيا " آدلكان " إن وجد، وإلا فالنسبة الضئيلة من البروتين في الدقيق، أو تلك المجهرية منه في " مارو لبيظ " ! وكان سوء التغذية وأعراض الوهن وفقر الدم بادية على وجوه وأجساد الكبار والصغار، وكنت أقول آه لو وجد من يتخذ قرارا بتزويد هؤلاء بالأسماك التي كان يرميها الناهبون لثروتنا السمكية من الأجانب و" والوطنيين " على شواطئ المحيط، على الأقل، إذا كانوا لا يستحقون بالنسبة له ما هو أفضل! فما أجمل أن تصادف من يشاركك أحلامك وخاصة الكبيرة منها، فتوفير الأسماك في أعماق البلاد هو بلا شك حلم كبير لا يمكن إلا أن يكون وراءه شعور وطني مخلص، وإحساس إنساني نبيل! نعم هو حلم كبير نظرا لشساعة أرض الوطن، وبعد شواطئه عن المدن الداخلية والأرياف، والعزلة وانعدام الكهرباء اللذين  تعانيهما معظم مدنه وبلداته ساعتها، وقبل ذلك كله غياب الإرداه السياسية لتحقيق ذلك الهدف، عندما كان الرجل مجرد عسكري يتنقل بحلمه بين مناطق البلاد، وليس بيده من وسائل تحقيق ذلك الحلم إلا الحلم..!

إن سمكة واحدة على مائدة أسرة تبرز عظام وجوه أفرادها جوعا وهزالا في الأحياء الشعبية الفقيرة بنواكشوط، أو في الداخل بأمبوت أو باركيول أو القدية أو بوصطيله هي عندي بمليار.. حتى لو كانت اليوم ب 25 أوقية ( الكيلو سمكتان أو أكثر وسعره 50 أوقية )  ولا أهتم هنا بالعمليات الحسابية للآخرين، فقد تكون موريتانيا بأرضها وسمائها وسكانها عندهم بسمكة، أو بذيل سمكة..! بل أقف إجلالا وتقديرا لمن كان توزيع الأسماك في الداخل حلمه، وسعى في إيصالها إلى هناك لأنه حقق لي حلما كبيرا، فلا ينكر أهمية البروتين السمكي ومكانته الغذائية والصحية الكبيرة إلا الجاهلون لذلك، ولذلك يلاحظ سكان الأرياف والمناطق الداخلية، النضارة والمظهر الصحي على وجوه وأجساد ذويهم القادمون من المدن الشاطئية، مقارنة بحالتهم في اليوم الذي غادروهم فيه إلى تلك المدن، ويجهلون أن السبب الأساسي في ذلك هو الغذاء اليومي على الأسماك، أو تناولها يومين أو ثلاثة في الأسبوع..

 صحيح أن الأسماك ثروة للموريتانيين، ولهم كامل الحق في التمتع بها دون من ولا أذى، لكن ذلك وحده لا يكفي، وإلا فهل كفت خمسون سنة ماضية لتأدية ذلك الحق، وهل كان سيكفي قرن قادم لتأديته لولا وجود من يحلم ويريد ويخطط وينفذ؟ هل سمعتم أحدا من مسؤولينا يعبر يوما عن راحة باله ورضاء ضميره بعد أن حقق حلما وطنيا، أو حلم ذلك الحلم على الأقل؟ وكم هم الذين نهبوا وأهدروا المليارات في تحقيق أحلامهم الضيقة دون أن يتبقى لها أثر على الأرض، أو تستفيد منها نملة ولا طير، أحرى وطنا وإنسانا؟!

لم يكن من بين مهاجمي الرجل من يشار إليهم من القانونيين ولا الاقتصاديين ولا العقلانيين، وإنما انفرد الفضوليون بذلك الهجوم، لأن ليس من صفات العقلانيين التهجم، وإذا تهجموا بينوا لماذا تهجموا.. لكن من لا يتقن إلا التهجم لن يقوم إلا بما يتقن! وإن كان عليه هنا أن يهاجم المؤسسة ونظمها والقوانين المنظمة لها، ويطالب بإلغائها أو تغيير قوانينها، لا موظفا وجد أمامه نظاما وقانونا ينظم مؤسسة وعمل بمقتضاه!

 كيف ننام ملئ جفوننا، لنصحوا ونهاجم من كان ـ ونحن نسبح في أحلامنا الصغيرة ـ يخطط لتحقيق أحلامه الكبيرة؟! أنا أختلف كليا عن آخرين عاشروا الرجل، أو عملوا معه أو خالطوه، إذ لم يحصل لي الشرف، فدافعوا عنه انطلاقا من معرفتهم به، وعددوا مناقبه التي لا أعرفها فيه لأنني لا أعرفه، لكنني مستعد للتوقيع عليها وأنا مغمض العينين، لإيماني أنه لا يحمل الأحلام الكبيرة إلا الكبار.. وأننا لن نكون كبارا إلا بقدر إحساسنا بآلام الناس عملا وتجسيدا، لا تشدقا واستغلالا! فما ضر الرجل ما فعل بعد هذا اليوم، وهنيئا له.

محمدو ولد البخاري عابدين

النظرة الدونية... صدأ في عقل المجتمع / الولي ولد سيدي هيبه

يعاني المجتمع الموريتاني في تشكيلته الاجتماعية عموما و في دائرة تركيبته النفسية و تأثيراتها من جور التمييز الطبقي والفئوي، حيث تعرضت في الماضي بعض الشرائح الاجتماعية فيه لأنواع مختلفة من الحيف الشديد والنظرة الدونية المثبطة، خاصة ذوي الحرف والمهن اليدوية: كـالمزارعين من الأرقاء والرعاة والحدادين و المغنيين في المجتمع العربي و غيرهم كثير في المجتمع الزنجي على اختلاف إثنياته كصيادي السمك و صانعي النعل ودباغي الجلود و اللائحة طويلة.

و لكن بهذا ليست وحدها موريتانيا، على هذا الكوكب الذي يضج بآلاف أنماط التقسيمات المجتمعية، من تنتشر في بنيتها التقسيمية هذه النظرة الدونية الظالمة إلى البعض من فئاتها في قاعدة الهرم التي استضعفتها ظروف تاريخية قاهرة و سلطت عليها صروف الدهر و حركته المتقلبة المزاج و الغريبة الأطوار سياطها الجارحة فأضعفتها حتى باتت لقمة سائغة لغيرها ممن أنصفتها على العكس من الفئات القوية نتيجة للتنشئة الاجتماعية الخاطئة وغرس بعض المفاهيم حول تفوق عرق أو شعب بعينه. و هي المفاهيم التي غرست لدى الأفراد والجماعات عقدة الفوقية و الاستئثار و الامتياز.

و إن المجتمعات العربية و مثلها المجتمعات الزنجية عانت بشكل فظيع في الماضي و تعاني بشكل يتناقص نتيجة الوعي و حراك التحرر في حيز هذا المسار التقييمي الاعتباري و التراتبي من انتشار العنصرية و الطبقية وما كرستاه من "نظرة دونية" تجاه القوميات والجنسيات و الطبقات حتى باتت منتشرة بين العرب و الزنوج أنفسهم. و هو المسار الذي تمخض عنه كذلك الشعور المتبادل:

- بالتعالي في النسب و المعنى والفوقية عموديا،

- و في الامتياز المادي و السلطوي أفقيا،

بين مكوناتهم وبدرجات متفاوتة بالإضافة إلى انتشار السلوكيات العنصرية بمفهومها الشامل مما أدى إلى التباعد بين مواطني الدول و خلخلة اللحمة فيها و تغييب السكينة التي هي مقياس الاستقرار و الأمان الأول، و خلق شعور الغل والحقد بينهم و التمكين للجهل المستبد بعقول الكثيرين من جهة، وللتعاطي الإعلامي السلبي مع الخلافات بين المكونات لثقافة الكراهية والعنصرية بين الإخوة في الوطن و المصالح و المصير المشترك بحلوه و مره من جهة أخرى.

في هذا السياق و على وقع ما يجري من تحولات بهذا الصدد سألني أحد الإعلاميين البارزين هل ما إذا كنت أعني عمليا تبنى ما أسماه "الدعوة إلى النداءات الفئوية" نتيجة الظهور احيانا إلى جانب منظمي تظاهرات سلمية مرخصة تسلط الضوء عبر وسائل الإعلام المرئية و المسموعة على حالة استياء بعض المواطنين في شرائح بعينها من النظرة الدونية التي تعانيها و ضاقت بها ذرعا و من الإقصاء المتمخض عنها بالنتيجة؟


فأجبت على الفور:

- إن الذي تسمعه أذناي و تراه عيناي غير ما لا أراه و أسمعه يُستنكر لفظا أو يُؤتى عملا.

فرد بأسرع مما أجبته و عيناه لا تخفيان استغرابا و خلو بال عفوي من حصول إجابة في مثل هذا الحد من السذاجة المخالفة أو بالأحرى المقاطعة للمنطق الاجتماعي المعهود عنده بالفطرة و للغة المجتمعية السائدة الناطقة في فصاحتها و في هزلها ببنيته القاعدية الراسخة رسوخ الجبال:

- كيف أنك لا ترى ما يراه غيرك و لا تسمع؟

و بما أنني لا أجيد مطلقا فن الجدل و لا أطيق اللعب بالألفاظ بعيدا عن مداركها الصحيحة في أي حيز يبعد عن النظرة الموضوعية و المجردة من اعتبارات الواقع أيا كانت، فقد اكتفيت بالقول:

- أنا أكره النظرة الدونية التي تُرمق بها بعض شرائح الأمة من لمعلمين و "إيكاون" و "آزناكه" و "لحراطين" و من "تبلات" "بايلو"  و "كيول" و "كايناكو"و "تك" وغيرهم في مجتمعاتنا الزنجي بكل مكوناته، كما أكره النظرة ذاتها في المجتمعات الأوروبية و الآسيوية  التي يصطلي بها الغجر من "الجتان" و "البوهيم" و غيرهم  و"المنبوذين" من المجتمعات العرقية الصغيرة في شبه الجزيرة الهندية بمفهومها الجغرافي الواسع و في الصين و شعب "الأبوريجين" الأسترالي الأصلي و غينيا و غيرها من المنتشرة في الجزر و الأرخبيلات الموزعة بين القارات الثلاثة وفي محميات الهنود الحمر في الولايات المتحدة الآمريكية وكندا من التي تعتز بخصوصياتها و تتشبث بها رغم الزوابع و الأعاصير التي لا تكف عن التربص بها و الفتك أحيانا بعيدا عن إملاءات الإنسانية و ضوابطها.

و قد قلت له أيضا:

بهذا و في هذا العصر الفريد بما يوحي به و يجسد من تلاقي الإنسانية على كل القواسم المشتركة بين البشر وما بدأ يلوح من نتائجألمعية علماء الدين الإسلامي الحنيف من قوة و نضج تأويل نصوصه التي لا يأتيها الباطل بما جاء به من الحق  و العدل و الإنصاف، فإنني لست أنشد و لست أخشى في آن أية مواجهة مع أي كان في أمر يرقى بكل أبعاده و أهميته القصوى إلى قضية أنا أومن بها في قرار نفسي و بأن لا أحد، يتمتع بعقل سوي و نزاهة فكرية سليمة، يعارضني فيها علما بأنها ليست في شيء ملكي دونه، و بأنها من أرفع درجات الوعي النبيل و أرهف علامات الإنسانية الفائقة و أعلى درجات القدرة في التسامي على الاعتبارات من هذا المستوى القطعِيِ التخلف و البالغِ الرجعية المدمرة و الموغلة في ظلامية الفكر و العداء الغيرِ معلوم، من فرط تراكمات الجهل، للدين الإسلامي الحنيف في رسالته السامية المتعالية عن أدران النفوس المسكونة بالكبر و الاستعلاء، و العادلة الخالدة التي رفعت الإنسان إلى درجة الاستخلاف في الأرض، و نبذت بأمرها بالعدل في الحكم و الاستقامة في التصرف كل أصناف التراتبية و الانتقائية و التسلطية.

إن المطالبة بحق الاعتبار و رفع القهر النفسي المصطنع و الجور التسلطي المادي الإقصائي هو حق مشروع يكفله الشرع الإلهي منذ فجر الإسلام و تدافع عنه النظرة الدينية المتجددة بتجدد العصر و خروج المفاهيم من براثين الجمود و ما تمليه على "الوضعي" في دائرة اعتباره للقيم الإنسانية و تحت مظلة الديمقراطية التي أصبحت نهجا عالميا يعمل بوقود مساواة شعوب البيت الكوني في الحقوق و الأدوار.

من هنا فإنه لا بد في ظل غياب السياق العلمي و خور نخبه و تعثر السياق السياسي في متاهات الصراعات العقيمة على الريادة الوهمية، أن يتقبل ضمير المجتمع في توحد يمليه - و لا مفر من أن يَفرضه عليه التجديد نفسُه - الحراكُ "المطالباتي" إن جاز التعبير، تديره اليوم كل الفئات التي ما زالت واقعة تحت التأثير النفسي للدونية و الإحساس بالغبن و بالتغييب المادي المُمَنهج في ظل الاعتبارات الطبقية داخل نظام القبيلة و في القوالب و ضمن التقسيمات المماثلة وسط الإثنيات الزنجية. كما أنه لا بد حتما أن يستجيب عن وعي بالغ ذاك الضمير الجمعوي لنداء الوطن من منطلق النزاهة الفكرية و الأمانة العلمية و أن يشحذ الهمة و يحفز الإرادة الصادقة في سبيل إحلال العدالة لبناء دولة القانون و نشر و إتباع مناهج المساواة.

بهذا الوعي النابع من إدراك الشعب عمليا و من تلقاء نفسه و من منطلق الإستشعار الدقيق لضرورة إحقاق المساواة و فتح سبل التكامل الذي هو وحده الكفيل بضمان الاستقرار و بإحقاق الأمن و الأمان للجميع فيجعلهم تلقائيا في خندق الوطن المشترك يبنونه بسواعد متشابكة و يحمونه بصدور مفعمة بحب التضحية و الفداء. و هو الإحساس إن حصل الذي يحفز حتما أصحاب القرار إلى الإصابة في رسم السياسات و الدقة في إعداد الخطط و التوفيق في بسط قوة القانون بعدالة و صرامة.

لكن سيظل غياب هذا الوعي على مستوى القاعدة الشعبية التي هي العامل الأبرز بذلك في تعمد إبقاء طوائف قليلة على مستوى إملاء المنهاج القائم الذي يستمد كل قوته و نفوذه من إحكام قبضة المفاهيم الرجعية و الإقطاعية و استحكام كل أوجههما البشعة:

- في توزيع القوة و الضعف،

- و السلطة و التبعية،

- و الغنى و الفقر،

- و قتل الوعي و روافده،

- و سيادة الحيف و توابعه،

على هذه الربوع التي إن عمها العدل و المساواة يوما كفت أهلها من خيراتها و أسكنتهم بأمن في رحابها الممتدة في كل الآفاق و كانت قبلة لمنشدي العدالة و السعادة من غير شعبها على الأطراف من الجوار و غيره من عوالم أبعد.

الشيخ ولد بايه ومعارك "حرب الخفافيش المسعورة"!

النقيب المتقاعد أحمد سالم ولد كعباشغصت مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المواقع الإعلامية الإلكترونية في موريتانيا، مؤخرا، بسيل من التحامل ضمن حملة شعواء تستهدف شخص عمدة مدينة ازويرات، ومهندس مفاوضات تجديد اتفاق الصيد بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي، الشيخ ولد بايه.. واستند كل من شاركوا في تلك الهجمة الشرسة، في حملتهم؛ ظاهريا على الأقل، إلى مقتطف من حديث للرجل يؤكد فيه أن ما يملكه من مال سليم المصدر؛ حيث حصل عليه بشكل قانوني لا لبس فيه.. وكأن الكسب الحلال بات جرما يستحق صاحبه أن يجلد أو يرجم أو تقطّع يداه ورجلاه من خلاف أو ينفى من الأرض!

ولقد وجدت من واجبي، كعارف بولد بايه وشاهد على جوانب مهمة من مساره المهني، ونزاهته ووطنيته وصدقه؛ أن أدلي بجملة من المعطيات التي لا مطعن فيها، لأن الجميع يعلمها ويحسها واقعا ملموسا لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد... وفوق ذلك، حتى لا أحشر ضمن زمرة الساكتين عن الحق، وأعوذ بالله أن أكون "شيطانا أخرس".

أولا: لم تكن الحملة الحالية أول هجمة من نوعها يتعرض لها الشيخ ولد أحمد ولد بايه؛ وإنما هي جولة جديدة في حرب مسعورة وقودها الجشع، والحقد والعداء لكل من يعمل بجد وتصميم على تخليص وطنه وشعبه من مافيات النهب الممنهج لثرواته وموارده..

بدأت أولى تلك الجولات مع تقلد الرجل إدارة مندوبية الرقابة البحرية حين أدخل نظاما لمراقبة كامل المياه الإقليمية لموريتانيا بواسطة الأقمار الاصطناعية؛ بهدف منع أساطيل الصيد غير المشروع من مواصلة استنزاف الثروة السمكية كما كانت تفعل على مدى سنوات طوال دون رادع ولا وازع.

لقد جنّد كبار متعهدي سفن الصيد الأجنبية من "رجال الأعمال" كل الوسائل المادية والمعنوية من أجل النيل من شخص السيد الشيخ ولد بايه؛ تارة باعتبار أنه يعمل على إغضاب شركاء موريتانيا الأوروبيين؛ وطورا بالترويج لعلاقة مفترضة بينه وبين شبكات تهريب المخدرات!؛ وأحيانا عبر ادعاء امتلاكه حسابات في بنوك أجنبية! صحيح أن "ما في نفسك يدلك على الناس".. ولأن الحق يعلو ولا يعلى عليه، فقد باءت تلك الجولة الأولى بالفشل الذريع، وخرج "فرسانها" و من حشدوا معهم يجرون أذيال الخيبة ويتجرعون مرارة كيدهم..

ثانيا: عندما تم توقيع اتفاق الصيد بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي، سنة 2012؛ إثر مفاوضات شاقة قادها ولد بايه، بنجاح باهر؛ تم النص على إلزامية تفريغ حمولة جميع السفن، المسجلة لدى المتعهدين الموريتانيين في ميناء نواذيبو، بعد أن كانت تتهرب من أي تفتيش بذريعة واهية تتعلق بعوائق تقنية وهمية.. وقد وقف المتحاملون على الرجل، اليوم كما الأمس، بضراوة ضد هذا البند وحاربوه بكل ما أوتوا من قوة؛ رغم أنه مكسب عظيم لموريتانيا، سياديا، واقتصاديا، واجتماعيا..

وقفوا، بما أوتوا من وسائل وإمكانيات، ضد وجود الشيخ ولد بايه في قطاع ظل لعقود، مرتعا لنهبهم وسطوتهم التامة؛ لدرجة أنهم باتوا على قناعة من أنهم خارج إطار المساءلة.. وقفوا ضد تفريغ السفن في ميناء نواذيبو؛ وقفوا ضد ردع السفن المخالفة لقوانينها والناهبة لثرواتها الوطنية؛ وقفوا ضد حصة 2% من الكميات المصطادة، والمخصصة للموريتانيين الأكثر فقرا واحتياجا؛ وقفوا ضد الكفالة المالية المفروضة على السفن؛ وقفوا ضد مرتنة 60% من العاملين على ظهور تلك السفن...أظهرو، بجلاء، محاربتهم لكل ما يصب في المصلحة العليا لموريتانيا؛ حتى بعد أن نجحت في نيل ما أرادت... رغم قبول الأوروبيين بذلك، وإن على مضض!

لم يستسغ زبانية نهب الموارد البحرية الوطنية؛ المتشدقون اليوم بالحرص على "النزاهة ومحاربة الثراء" القانوني؛غير المشروع من وجهة نظرهم؛ إقصاء الحكومة الموريتانية لسفن صيد الرخويات، والتي كانت من أهم مصادر "ثرائهم" هم، "المشروع" في منطق وقانون مص عرق ودماء الموريتانيين، وشرعة بيع الوطن لقاء عمولات تدفع باليورو.. فما كان منهم إلا أن أطلقوا جولة أخرى من حربهم القذرة ضد موظف وطني لم يزد على أداء واجبه بكل نزاهة وكفاءة واقتدار؛ لكنه، بالنسبة لهم كان سببا في قطع مصادر ثرائهم وسر وجودهم، واستئصال خراطيم النهب التي عاشوا عليها ردحا طويلا من الزمن.. ولم تكن تلك الجولة بأفضل حظا من سابقتها، حيث ولّوا على أعقابهم مدبرين.

ثالثا: بما أن المنهزم في أية معركة يحاول استغلال الفترة الموالية لتحليل أسباب تلك الهزيمة ومحاولة إعداد العدة للجولة التالية، وتحين الفرصة التي يراها مواتية للإجهاد على "العدو"؛ لم تخرج خفافيش الحرب ضد ولد بايه على هذه القاعدة التقليدية؛ حيث وجد مناوئو اتفاق الصيد الجديد في ترشيح الرجل لمقعد عمدة بلدية ازويرات، بناء على دراسة ميدانية لتطلعات السكان، وحرص على تحقيق مكسب انتخابي مضمون يدعم القاعدة الشعبية العريضة لرئيس الجمهورية،؛ محمد ولد عبد العزيز، على أعتاب انتخابات رئاسية؛ فرصة لبدء هجومهم في جولة جديدة من "حرب الخفافيش" التي تستهدفه.

نزل هؤلاء بخيلهم ورجلهم لخوض معركة تختلف في ميدانها وطبيعتها عن الجولتين السابقتين؛ رغم وحدة الأهداف والدوافع؛ فباشروا حملة أكثر شراسة لشراء الذمم من أجل إنجاح أي مرشح آخر منافس للشيخ ولد بايه، بما في ذلك مرشحو أحزاب المعارضة، ورصدوا أموالا طائلة في حملة تشويه دعائية محلية وعبر بعض وسائل الإعلام المجندة، أصلا، لهذا الغرض.. لكن وعي سكان المدينة المنجمية وضجرهم من دعايات عهود الفساد وممارسات مصاصي دماء الشعب وخفافيشهم؛ إلى جانب معرفتهم بالرجل وخصاله ومساره الناصع؛ كانت كلها عوامل مكنت من هزيمة الباطل من جديد وانتصار الحق نصرا مبينا؛ حيث تجسد رد ساكنة ازويرات في انتخاب الشيخ ولد أحمد ولد بايه عمدة لمدينتهم.. وخرج المبطلون، مرة أخرى، مهزومين شر هزيمة..

لقد غاب عن هؤلاء أن نقل حربهم، الخاسرة بكل المقاييس، من ميدان خبروه طيلة عقود، وتلقوا فيه هزائم متكررة (مجال الصيد البحري)؛ إلى ميدان آخر يجهلون أبجدياته الأساسية (مجال السياسة)، كان في حد ذاته إقرارا منهم بالهزيمة التامة في الميدان الأول؛ من جهة، ومن جهة أخرى، نوعا من المغامرة غير المحسوبة.. فإلى جانب الرد الصاعق الذي واجههم به الناخبون في ازويرات؛ هاهو الرد الأكثر صعقا يأتي من رئيس الجمهورية شخصيا؛ من خلال اختياره لمدينة ازويرات، وحدها بعد نواكشوط، ضمن تدشيناته بمناسبة الذكرى الـ54 للاستقلال الوطني؛ وكذا من خلال حرصه على ذكر نسبة مصائد الأسماك المخصصة للتوزيع المجاني على المواطنين في مشارق البلاد ومغاربها، في خطاب الاستقلال؛ باعتبارها أهم إنجاز حققته البلاد في مجال الصيد البحري خلال مأموريته الأولى..

رابعا: لم يسلّم زبانية "حرب الخفافيش" بخسارتهم، رغم الهزائم المتلاحقة التي باؤوا بها في جميع الجولات؛ بل سولت لهم أنفسهم أن يجربوا ميدانا آخر؛ عساه يكون حلقة أضعف من سابقيه لتحقيق "حدث خارق" يتمثل في انتصار الشر على الخير؛ وبالتالي قلب قانون طبيعة الكون التي أقرها خالقه في الأزل!

الميدان الجديد الذي اختاره هؤلاء مسرحا لمعركتهم ضد ولد بايه، كان الشركة الموريتانية للحراسات، التي أسسها الرجل ويتولى إدارتها، التي أنهت عقودا من معاناة آلاف الموريتانيين، بين عسكريين سابقين، متقاعدين أو مسرحين من الجيش؛ وعمال سخرة تمتص عصابات سماسرة البشر عرقهم ودماءهم منذ أمد غير قصير؛ مقابل نسب ضئيلة من رواتب تأخذها باسمهم من الشركات العملاقة، دون أية حقوق أو امتيازات؛ أي دون ضمان اجتماعي، أو حق في السكن، أو حتى العلاج، ودون أية عقود عمل تربطهم بمشغليهم؛ أو على الأصح مستعبديهم.. حاول "فرسان" الحرب على ولد بايه، تأليب مجموعة ممن أقصاهم إصلاح نظام العمالة الجديد، المطابق لجميع ترتيبات مدونة الشغل؛ بسبب بلوغهم سن التقاعد، أو عدم الأهلية للعمل، ضد الشركة من خلال دفعهم إلى الخروج في حراك احتجاجي بدعوى "المطالبة بالحقوق"؛ متجاهلين أنهم هم من منعوهم أبسط الحقوق طيلة عقود من أبشع صور الاستغلال.

وككل الجولات الفاشلة السابقة، بذل المتمالئون ضد ولد بايه، الحانقون على كل وطني نزيه، ما أوتوا من وسائل مادية ومعنوية في سبيل تحقيق مبتغاهم من هذا التحرك الجديد؛ لتتحطم كل مساعيهم على صخرة الواقع المعيش والماثل عيانا للجميع..

لقد مكنت الموريتانية للحراسات من تسوية وضعية الآلاف من العمال الذين كانت تستغلهم شركات تشغيل وهمية (تاشرونا)، والعسكريين السابقين الذين أفنوا سنين شبابهم وعطائهم دفاعا عن هذا الوطن وتضحية في سبيل عزته وكرامته وأمن مواطنيه، من رفاق الشيخ ولد بايه في السلاح؛ والذين أعتز بكوني واحدا منهم.. ووفرت لجميع هؤلاء مواقع عمل دائمة بمرتبات معتبرة، مع جميع الحقوق المترتبة على ذلك من عقود، وضمان اجتماعي، وتأمين صحي، وحق في المعاش. ولأن قادة وجنود "حرب الخفافيش" من مصاصي دماء البشر مدمنون على تلك الدماء، فقد دفعوا بمجموعة من العمال "غير الدائمين" من ضحاياهم السابقين، إلى تهلكة السير على الأقدام من ازويرات إلى نواكشوط؛ معرضين حياتهم لكل أنواع الخطر رغم تقدم أغلبهم في السن؛ ليجدوا أنفسهم قابعين في أرض جرداء بعيدا عن ذويهم وأهليهم وبيوتهم؛ تلفح وجوههم الشمس الحارقة نهارا، ويقاسون لسعات برد الشتاء القارس ليلا على مشارف العاصمة، لا لشيء سوى إشباع نزوة زمرة من ناهبي ثروات الشعب والمتاجرين بمصالح الأمة؛ لكن الحق حصحص فأزهق أباطيلهم كما في كل الجولات السابقة..وفي وقت لم يزل فيه باب الحوار مفتوحا أمامهم على مصراعيه بإشراف من مفتشية الشغل.

ولئن كان سكان مدينة المناجم قد بدأوا يجنون ثمار انتخابهم عمدة من عيار السيد الشيخ ولد أحمد ولد بايه؛ من خلال الإجراءات العملية التي بادر باتخاذها فور تسلم مهامه، من قبيل حل أزمة مياه الشرب المزمنة، بتوفير ما يربو على 12 شاحنة صهريج جديدة توزع الماء الشروب على مدار الساعة، وإعادة تأهيل قطار نقل المياه من بولنوار بولاية دخلة نواذيبو؛ مع تنفيذ إستراتيجية مستدامة لضمان تزويد الساكنة بالماء الشروب؛ تمثلت في بناء سدود وحواجز مائية؛ وإلغاء جميع الرسوم الضريبية التي كانت مفروضة على المحلات التجارية الصغيرة، وإلغاء كل الضرائب عن البضائع القادمة إلى المدينة عبر الحدود الشمالية؛ وتأهيل المستشفى الجهوي؛ ودعم التعاونيات النسوية، والجمعيات الشبابية، الثقافية والرياضية.. فضلا عن التكفل بحج عشرة شخاص في سن الستين فما فوقهان كل عام عن طريق القرعة، وكذا تقديم منح لجميع الطلبة الناجحين في الباكالوريا على مستوى ازويرات، الذين يلتحقون بجامعة نواكشوط... فإن سكان باقي مناطق موريتانيا، من نجاكو إلى بير أم اكرين، ومن نوامغار إلى فصاله؛ مرورا بأحياء نواكشوط، ومدن وقرى ولايات ا تيرس زمور، وآدرار، وإينشيري، والترارزه، ولبراكنه، وكوركول، وكيديماغاه، وتكانت، ولعصابه، والحوضين... نالهم نصيب من نجاحات هذا الرجل؛ من خلال كميات الأسماك التي أصبحت توزع عليهم من طرف شركة توزيع الأسماك التي أنشأتها الدولة بفضل اقتطاع نسبة 2% من حمولة سفن أساطيل الصيد الأوروبية التي يتم تفريغها في ميناء نواذيبو بموجب اتفاق الصيد في صيغته التي سفرت عن المفاوضات التي قادها ولد بايه وأغاظت حملة لواء محاربته..

ولعل من الجدير بالتذكير أن هؤلاء، بالذات، هم من كانوا يفرغون ملايين أطنان الأسماك، بعد نزع بيوضها، في قاع المحيط ليقذفها على اليابسة، وغالبا ما يلقون بها إلى الشاطئ؛ فتتعفن أو تتحول إلى طعام للذئاب والطيور والحشرات.. يضنون بها حتى على جياع بلدهم! ويذرفون دموع التماسيح، اليوم، متباكين على ذلك العهد الذي يرفضون الإذعان لحقيقة كونه قد ولى إلى غير رجعة.. عهد ازدهرت فيه ممارساتهم التي ترقى إلى مستوى الجرائم الاقتصادية، وأحيانا إلى درجة الجرائم ضد الإنسانية، وخيانة الوطن، وتدمير الوسط البيئي؛ ولا بد أن يحاكمهم التاريخ عليها يوما ما، عاجلا أو آجلا.. ويكفي أن منظمات حماية البيئة في أوروبا طالما نددت باتفاقيات الصيد السابقة مع موريتانيا باعتبارها تخريبا للتوازن البيئي العالمي، وتهديدا لبقاء الكائنات البحرية، السمكية والنباتية وبالتالي خطرا على الأوروبيين مثلما هي خطر على الموريتانيين من باب أولى...بينما يتباكى عليها من يفترض أنهم وطنيون بحكم الانتماء والأوراق الثبوتية الموريتانية!

ختاما أنوه إلى أن حملة التشويه الدعائية الأخيرة جاءت عقب تلقف بعض مواقع التواصل الاجتماعي لفقرة مجتزأة من حديث عفوي صادق أدلى به ولد بايه؛ يعلن فيها أنه تمكن من تحصيل الكثير من المال بالطرق القانونية المشروعة؛ متحدثا عن نسبة 48% التي تعود لإدارة خفر السواحل الموريتانية كرسوم تدفعها سفن الصيد، وفق المساطر المعمول بها في البلاد؛ ومنها يتم تأمين رواتب الموظفين والعمال، واقتناء وصيانة المعدات والتجهيزات، وتغطية مختلف نفقات التسيير، إلخ.. وكان الرجل يقصد بضمير المتكلم الهيئة التي يقودها وليس شخصه بذاته.

غير أن المتربصين به ممن جاء ذكر سلسلة من إخفاقاتهم المدوية أعلاه؛ اتخذوا من تلك التصريحات، فيما يبدو، منطلقا لجولة جديدة من "حرب الخفافيش" المستعرة ضد الرجل؛ متوهمين أنهم بذلك قد يحققون شيئا مما عجزوا عنه خلال جولات سابقة أحمى وطيسا وأشد ضراوة .. ولقد أغاظهم أن مسؤولا وطنيا مثل الشيخ ولد بايه تجرأ على التصريح، علانية، بمصادر أمواله؛ وهو أكثر شيء يمكنهم سماعه، وهم الذين كدّسوا الأموال الطائلة التي تنوء بحملها حاويات سفنهم على مدى عقود متتالية من النهب والمتاجرة بخيرات الأمة وموارد الوطن.

 

 

اعلان

صور

تقرير عن الامطار في ولاية تيرس الزمور

دعاء الشيخ الددو للمدير التجاري لسنيم

فيس بوك