من أجل حل أزمة الحراك

من المؤسف جدا أن ينتهي حلم شبابي بحراك سياسي فاعل ونشط بحراك قضائي في أروقة العدالة ، هذا ما وصل إليه حزب الحراك الشبابي في آخر حلقات مسلسل البحث عن المصالح الآنية والضيقة ضيق أفق أصحابها مدمرين بذلك حلم آلاف الشباب الموريتاني المؤمنين بضرورة تجديد الطبقة السياسية في قطيعة مع ممارسات الماضي من إستغلال للنفوذ الكاذب والتخابر والتآمر والتخندق المافيوي وتحويل العمل السياسي إلى بحث عن ميزات ومناصب مفرغينه من معناه .
لقد كنت من أوائل المنادين بخلق فضاء سياسي شبابي تمتحن فيه قدرات الشباب السياسية بعيدا عن إستغلالهم كوقود ومحرك للحملات الإنتخباية والإستغناء عنهم وتهميشهم بعدها، ومع بداية مشروع حزب العصر الذي تحول فيما بعد حراكا وأنشقت عنه مجموعات لأسباب مختلفة تشكل منها حزب الوحدة والتنمية وحزب الوفاق ومجموعة مستقلة مازالت تبحث عن تحقيق حلم الشباب بإطار سياسي فعّال .
مع انطلاقة حزب الحراك وفي أيامه الأولى تم تسجيل أكثر من ستة آلاف شاب موريتاني من حملة الشهادات ومن مختلف التخصصات ومن شتى المشارب السياسية ،كانت بداية قوية ومشجعة ومفعمة بالعمل الوطني الجاد والهادف لتسريع وتيرة تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية المؤمن بضرورة إشراك الشباب في صنع القرار تصورا وتخطيطا وتنفيذا ، اليوم يتحول الصراع من السياسة إلى القضاء ، صراع أرفض دخوله لأيماني بأن الحل يكمن في الداخل وبالطرق المحددة في النظام الداخلي للحزب وبالتشاور والحوار ونبذ روح التآمر والإقصاء والعودة إلى قرار ضامني الحزب لدى وزارة الداخلية وتشكيل لجنة أزمة من الضامنين السبعة تسير الحزب في إنتظار إنعقاد مؤتمر طارئ لإنتخاب هيآت قيادية بعيدا عن المحاكم ، وحتى نكون أهلا لحمل لواء التغيير البنّاء ومشاركين في حملة البناء الوطني وحتى نعيد الأمل لشباب الأمل.
محمد ولدعبد القادر ـــ من مؤسسي وضامني حزب الحراك الشبابي

 

هل موريتانيا مهددة بوباء الايبولا ؟!..هواجس مشروعة..!!

المرابط ولد محمد لخديم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

    انتشرت في الأشهر الماضية في مدينة نواكشوط إصابات بحمى غير معروفة تصيب جميع أفراد الأسرة، وتستمر لأيام...
 وكان أول ظهور لها في مقاطعة تيارت التي اصبحت تعرف باسمها وقد تسببت في البداية في إقبال كبير على مستوصف تيارت، إذ تجاوز قدرته الاستيعابية في بعض الأوقات ثم بعد ذالك امتدت إلى جميع المصالح الصحية العامة والخاصة في زمن قياسي...وان كانت هذه الحمى غير خطيرة نسبيا حيث  استطاعت المصالح الصحية السيطرة عليها وذالك بعلاج المصابين بحقنة حمى الناموس وتجاوبهم مع الدواء... فان سرعة انتشارها تثير مخاوف خطيرة..زرت اكثرية مقاطعات العاصمة لكي استقصي وأتعرف على المرض عن كثب وفي اثناء جمعي للتفاصيل ومعاينة الكتابة تولدت لدي تساؤلات وهواجس:ماذا لوكان هذا المرض الى قدر الله الايبولا؟ وماهي الاجراءات التي ستتخذ آن ذاك؟ ونحن عاجزين عن تشخيص حمى تيارت؟

 
       لم أصدق كعادتي ما كتب عن المرض محليا وكان علي أن أسافر إلى ولاية لعصابة لأقطع الشك باليقين  انطلقت من انواكشوط الى كيفة عاصمة الولاية وكان من حسن حظي أن تزامن وصولي مع  انطلاق الحملات التحسيسية ضد المرض المنظمة من قبل وزارة الصحة وكنت من ضمن الفريق المتوجه إلى القرى الموريتانية التي تحد الجارة دولة مالي الشقيقة صحبة الوالي وحاكم كنكوصة والمدير الجهوي للصحة..كانت الرحلة شاقة ومضنية..

       وكنا كلما مررنا على قرية  يلتقي الوالي بالمواطنين ويستمع إليهم ويخاطبهم مباشرة
  متكلما عن  خطورة مرض الايبولا ثم يعقب بعده مدير الصحة مستعرضا أسباب المرض والوقاية منه....

     والحمد لله إلى حد الآن لم تسجل أي حالة في موريتانيا إلا أن الحذر يبقى واجبا دائما... 

لكن ماهو مرض الايبولا؟

       يعتبر الإيبولا المعروف سابقاً باسم (حمى الإيبولا النزفية)، من أخطر الأمراض الفيروسية التي تصيب الإنسان وغالباً ما يكون قاتلاً ظهر لأول مرة عام 1976م في نزارا بالسودان ويامبوكو بجمهورية الكونغو الديمقراطية،(زايير سابقا) وقد انتشر آن ذاك في قرية تقع على مقربة من نهر إيبولا الذي سمي باسمه لاحقا..

      وتعتبرالحالة المندلعة حالياً في غرب أفريقيا الأكبر ولأعقد انتشارا للمرض منذ اكتشاف الفيروس إذ تسببت في حالات ووفيات أكثر من جميع الحالات الأخرى مجتمعة.

       وقد تفشت وانتشرت بين البلدان بدءاً بغينيا ومن ثم عبرت الحدود البرية إلى سيراليون وليبيريا وانتقلت جواً إلى نيجيريا (بواسطة مسافر واحد فقط) وبراً إلى السنغال (بواسطة مسافر آخر) ثم إلى مالي وبالذات مقاطعة خاي المجاروة لنا..

    ولا تمتلك البلدان الأشد تضرّراً بالفاشية، وهي غينيا وسيراليون وليبيريا، إلا نظماً صحية ضعيفة جداً وتفتقر إلى الموارد البشرية والبنية التحتية اللازمة....

أعراض المرض:

     تترواح فترة حضانة المرض، أي تلك الممتدة من لحظة الإصابة بعدواه إلى بداية ظهور أعراضه، بين يومين اثنين و21 يوماً.

   ولا ينقل الإنسان عدوى المرض حتى يبدي أعراضه، التي تتمثل أولاها في الإصابة فجأة بحمى موهنة وآلام في العضلات وصداع والتهاب في الحلق، يتبعها تقيؤ وإسهال وظهور طفح جلدي واختلال في وظائف الكلى والكبد، والإصابة في بعض الحالات بنزيف داخلي وخارجي على حد سواء ( مثل نزول الدم من اللثة وخروج الدم في البراز).

انتقال المرض

   يُعتقد أن الخفافيش هي المضيف الطبيعي لفيروس الإيبولا. وينتقل فيروس الإيبولا إلى تجمعات السكان البشرية عن طريق ملامسة دم الحيوانات المصابة بعدوى المرض أو إفرازاتها أو أعضائها أو السوائل الأخرى من أجسامها، مثل القردة...

     ومن ثم تنتشر الإيبولا من خلال سريان عدواها من إنسان إلى آخر عبر الملامسة المباشرة لدم الفرد المصاب بعدواها (عن طريق الجروح أو الأغشية المخاطية) أو إفرازات ذاك الفرد أو أعضائه أو سوائل جسمه الأخرى، وبملامسة السطوح والمواد الأخرى الملوثة بتلك السوائل (كالمفروشات والملابس)...).

      وكثيراً ما يُصاب عاملو الرعاية الصحية بالعدوى عند تقديمهم العلاج للمرضى المصابين بحالات يُشتبه فيها أو مؤكدة من مرض فيروس الإيبولا. وقد حدث ذلك من خلال ملامسة المرضى مباشرة من دون تطبيق صارم للإرشادات المتعلقة بمكافحة عدوى المرض..

      ويمكن أن تؤدي أيضاً مراسم الدفن التي يلامس فيها المشيعون مباشرة جثة المتوفى دوراً في انتقال فيروس الإيبولا...

     ويبقى المصابون بالمرض قابلين لنقل عدواه إلى الآخرين طالما أن دماءهم وإفرازات أجسامهم، بما فيها المني، حاوية على الفيروس. وتبيّن أن بإمكان الرجال المتعافين من المرض أن ينقلوا الفيروس أيضاً بواسطة السائل المنوي الحامل للعدوى بعد مدة تصل إلى سبعة أسابيع عقب تعافيهم من المرض....

.
إذاً …ما العمـــل ؟؟

الوقاية من المرض ومكافحته
 

       تتوقف جودة مكافحة فاشية المرض على تنفيذ مجموعة من التدخلات، ألا وهي تدبير الحالات علاجياً وترصد مخالطي الحالات وتتبعهم وتقديم خدمة مختبرية جيدة والاضطلاع بمراسم الدفن الآمن والتعبئة الاجتماعية.

   ومن الضروري إشراك المجتمع المحلي في الأمر لتكليل مكافحة فاشيات المرض بالنجاح. وتوعية الأفراد بعوامل خطر الإصابة بعدوى الإيبولا وتدابير الوقاية منها التي بإمكانهم اتخاذها من الوسائل الفعالة لتقليل معدل انتقال عدواها بين صفوف البشر.

   كما ينبغي أن يداوم عاملو الرعاية الصحية على اتخاذ الاحتياطات المعيارية عند تقديم الرعاية للمرضى، بصرف النظر عن تشخيص حالة المرضى الافتراضية. وتشمل: نظافة اليدين الأساسية ونظافة الجهاز التنفسي واستعمال معدات الوقاية الشخصية (منع تطاير الرذاذ أو غير ذلك من حالات ملامسة المواد الحاملة لعدوى المرض) واتباع ممارسات آمنة في ميدان حقن المرضى ودفن الموتى...

     ليس متاحاً أيُّ علاج حتى الآن للمرض،لذا يجب  العمل على تعزيز  الفرق الطبية والأمنية على الحدود بكل ما يلزم من وسائل مادية ولوجستية لأداء أعمالهم...
      إن كل الجهود التي بذلت وستبذل لن تجد نفعا، مالم نتجاوب معها  أفرادا وجماعات ونتعاون بشكل فعال مع الجهات المختصة ونبلغ فوريا عن كل حالة يشتبه بها...

  وتبقى هواجس الخوف من هذا الوباء قائمة مالم يتعاون الجميع حكومة وشعبا في دحر هذا المرض القاتل الذي أصبح قريبا منا وكأننا نتكلم بلسان شاعر كرو العامي القائل:

أرع من غريب امسك              لاتكبل غريب أتمس

من مرض الايبولا عسك         عاد أكريب منكم عس

الهوامش

منظمة الصحة العالمية (بالتصرف)

الآن تذكرت من هو ولد بايه

لم أسمع عن السيد أحمد ولد بايه من قبل، ولا عن ماضيه ولا مساره المهني، قبل الزوبعة الأخيرة حول تصريحه عن مصادره المالية، والتي لم أجد فيها ما يبرر مهاجمته حتى قبل أن أعرف من هو، ولم أكن كذلك أعرف من هو عمدة مدينة ازويرات التي هي ـ بالمناسة ـ إحدى عواصم الولايات الثلاث من بين عواصم ولايات الوطن التي لم تطؤها قدمي، ولا وطئت حدودها منذ أن خرجت إلى الدنيا، إلا بعد تلك الزوبعه. لكنني عندما رأيت الصوره المتداولة للرجل، إذا بشيء لم أستطع تحديده يشدني لصاحب تلك الصورة، متسائلا في نفسي أين ومتى رأيته من قبل، وما السبب الذي جعل صورته تعلق بذهني، بخلاف مئات الصور والوجوه التي أراها يوميا دون أن أحتفظ لها بنفس الشعور؟

ورغم أنني اطلعت من خلال الضجة التي صاحبت تصريحه، على أنه كان يرأس مندوبية الرقابة والتفتيش، وأنه قاد المفاوضات الأخيرة مع الاتحاد الأروبي، إلا أن ذلك لم يسعفني في الإجابة على سؤال أين ومتى رأيت الرجل من قبل، ولماذا حفرت صورته لنفسها حفرة إعجاب بذاكرتي؟ إلى أن طاف علي هاتف يقول إن هذا الشخص ليس سوى الرجل الذي كنت أتابعه في إحدى الأماسي على شاشة التلفزيون الوطني، قبل ترشحه وفوزه عمدة لمدينته، وهو ضيف في برنامج عن اتفاقية الصيد الأخيرة مع الاتحاد الأوربي، والتي رغم أهمية بنودها، وما راعته وأصرت عليه من مصالح البلاد مقارنة بالاتفاقيات السابقة، لم تكن هي ما جعلنى أهتم بذلك البرنامج، واحتفظ للرجل بتقدير كبير، وإنما معلومة قالها عندما طلب منه مقدم البرنامج كلمة أخيرة كالعادة عند نهاية كل برنامج، فقال إنه خلال مساره المهني كعسكري خدم في معظم مناطق البلاد، واطلع على أحوال ساكنتها وظروف عيشهم، تولد لديه حلم بأن تصل الأسماك إلى كل شبر من أرض الوطن، وأن ذلك الحلم رافقه طيلة مساره المهني، وعمل على تحقيقة وسعى في كل ما يقربه من ذلك الهدف، إلى أن أصبح من فاعلي قطاع الصيد من خلال إدارته لمندوبية الرقابة والتفتيش. والآن ـ يقول ـ توفرت الإرادة السياسية، ورصدت الوسائل واتخذت الإجراءات لتحقيق ذلك، واليوم أغادر القطاع وأنا مرتاح البال بعد أن حققت حلمي..

أنا أيضا عملت في عدة مناطق داخلية، وكنت أمضي الأيام والليالي بين أناس لا يتوفر لديهم من مصادر البروتين إلا اللوبيا " آدلكان " إن وجد، وإلا فالنسبة الضئيلة من البروتين في الدقيق، أو تلك المجهرية منه في " مارو لبيظ " ! وكان سوء التغذية وأعراض الوهن وفقر الدم بادية على وجوه وأجساد الكبار والصغار، وكنت أقول آه لو وجد من يتخذ قرارا بتزويد هؤلاء بالأسماك التي كان يرميها الناهبون لثروتنا السمكية من الأجانب و" والوطنيين " على شواطئ المحيط، على الأقل، إذا كانوا لا يستحقون بالنسبة له ما هو أفضل! فما أجمل أن تصادف من يشاركك أحلامك وخاصة الكبيرة منها، فتوفير الأسماك في أعماق البلاد هو بلا شك حلم كبير لا يمكن إلا أن يكون وراءه شعور وطني مخلص، وإحساس إنساني نبيل! نعم هو حلم كبير نظرا لشساعة أرض الوطن، وبعد شواطئه عن المدن الداخلية والأرياف، والعزلة وانعدام الكهرباء اللذين  تعانيهما معظم مدنه وبلداته ساعتها، وقبل ذلك كله غياب الإرداه السياسية لتحقيق ذلك الهدف، عندما كان الرجل مجرد عسكري يتنقل بحلمه بين مناطق البلاد، وليس بيده من وسائل تحقيق ذلك الحلم إلا الحلم..!

إن سمكة واحدة على مائدة أسرة تبرز عظام وجوه أفرادها جوعا وهزالا في الأحياء الشعبية الفقيرة بنواكشوط، أو في الداخل بأمبوت أو باركيول أو القدية أو بوصطيله هي عندي بمليار.. حتى لو كانت اليوم ب 25 أوقية ( الكيلو سمكتان أو أكثر وسعره 50 أوقية )  ولا أهتم هنا بالعمليات الحسابية للآخرين، فقد تكون موريتانيا بأرضها وسمائها وسكانها عندهم بسمكة، أو بذيل سمكة..! بل أقف إجلالا وتقديرا لمن كان توزيع الأسماك في الداخل حلمه، وسعى في إيصالها إلى هناك لأنه حقق لي حلما كبيرا، فلا ينكر أهمية البروتين السمكي ومكانته الغذائية والصحية الكبيرة إلا الجاهلون لذلك، ولذلك يلاحظ سكان الأرياف والمناطق الداخلية، النضارة والمظهر الصحي على وجوه وأجساد ذويهم القادمون من المدن الشاطئية، مقارنة بحالتهم في اليوم الذي غادروهم فيه إلى تلك المدن، ويجهلون أن السبب الأساسي في ذلك هو الغذاء اليومي على الأسماك، أو تناولها يومين أو ثلاثة في الأسبوع..

 صحيح أن الأسماك ثروة للموريتانيين، ولهم كامل الحق في التمتع بها دون من ولا أذى، لكن ذلك وحده لا يكفي، وإلا فهل كفت خمسون سنة ماضية لتأدية ذلك الحق، وهل كان سيكفي قرن قادم لتأديته لولا وجود من يحلم ويريد ويخطط وينفذ؟ هل سمعتم أحدا من مسؤولينا يعبر يوما عن راحة باله ورضاء ضميره بعد أن حقق حلما وطنيا، أو حلم ذلك الحلم على الأقل؟ وكم هم الذين نهبوا وأهدروا المليارات في تحقيق أحلامهم الضيقة دون أن يتبقى لها أثر على الأرض، أو تستفيد منها نملة ولا طير، أحرى وطنا وإنسانا؟!

لم يكن من بين مهاجمي الرجل من يشار إليهم من القانونيين ولا الاقتصاديين ولا العقلانيين، وإنما انفرد الفضوليون بذلك الهجوم، لأن ليس من صفات العقلانيين التهجم، وإذا تهجموا بينوا لماذا تهجموا.. لكن من لا يتقن إلا التهجم لن يقوم إلا بما يتقن! وإن كان عليه هنا أن يهاجم المؤسسة ونظمها والقوانين المنظمة لها، ويطالب بإلغائها أو تغيير قوانينها، لا موظفا وجد أمامه نظاما وقانونا ينظم مؤسسة وعمل بمقتضاه!

 كيف ننام ملئ جفوننا، لنصحوا ونهاجم من كان ـ ونحن نسبح في أحلامنا الصغيرة ـ يخطط لتحقيق أحلامه الكبيرة؟! أنا أختلف كليا عن آخرين عاشروا الرجل، أو عملوا معه أو خالطوه، إذ لم يحصل لي الشرف، فدافعوا عنه انطلاقا من معرفتهم به، وعددوا مناقبه التي لا أعرفها فيه لأنني لا أعرفه، لكنني مستعد للتوقيع عليها وأنا مغمض العينين، لإيماني أنه لا يحمل الأحلام الكبيرة إلا الكبار.. وأننا لن نكون كبارا إلا بقدر إحساسنا بآلام الناس عملا وتجسيدا، لا تشدقا واستغلالا! فما ضر الرجل ما فعل بعد هذا اليوم، وهنيئا له.

محمدو ولد البخاري عابدين

النظرة الدونية... صدأ في عقل المجتمع / الولي ولد سيدي هيبه

يعاني المجتمع الموريتاني في تشكيلته الاجتماعية عموما و في دائرة تركيبته النفسية و تأثيراتها من جور التمييز الطبقي والفئوي، حيث تعرضت في الماضي بعض الشرائح الاجتماعية فيه لأنواع مختلفة من الحيف الشديد والنظرة الدونية المثبطة، خاصة ذوي الحرف والمهن اليدوية: كـالمزارعين من الأرقاء والرعاة والحدادين و المغنيين في المجتمع العربي و غيرهم كثير في المجتمع الزنجي على اختلاف إثنياته كصيادي السمك و صانعي النعل ودباغي الجلود و اللائحة طويلة.

و لكن بهذا ليست وحدها موريتانيا، على هذا الكوكب الذي يضج بآلاف أنماط التقسيمات المجتمعية، من تنتشر في بنيتها التقسيمية هذه النظرة الدونية الظالمة إلى البعض من فئاتها في قاعدة الهرم التي استضعفتها ظروف تاريخية قاهرة و سلطت عليها صروف الدهر و حركته المتقلبة المزاج و الغريبة الأطوار سياطها الجارحة فأضعفتها حتى باتت لقمة سائغة لغيرها ممن أنصفتها على العكس من الفئات القوية نتيجة للتنشئة الاجتماعية الخاطئة وغرس بعض المفاهيم حول تفوق عرق أو شعب بعينه. و هي المفاهيم التي غرست لدى الأفراد والجماعات عقدة الفوقية و الاستئثار و الامتياز.

و إن المجتمعات العربية و مثلها المجتمعات الزنجية عانت بشكل فظيع في الماضي و تعاني بشكل يتناقص نتيجة الوعي و حراك التحرر في حيز هذا المسار التقييمي الاعتباري و التراتبي من انتشار العنصرية و الطبقية وما كرستاه من "نظرة دونية" تجاه القوميات والجنسيات و الطبقات حتى باتت منتشرة بين العرب و الزنوج أنفسهم. و هو المسار الذي تمخض عنه كذلك الشعور المتبادل:

- بالتعالي في النسب و المعنى والفوقية عموديا،

- و في الامتياز المادي و السلطوي أفقيا،

بين مكوناتهم وبدرجات متفاوتة بالإضافة إلى انتشار السلوكيات العنصرية بمفهومها الشامل مما أدى إلى التباعد بين مواطني الدول و خلخلة اللحمة فيها و تغييب السكينة التي هي مقياس الاستقرار و الأمان الأول، و خلق شعور الغل والحقد بينهم و التمكين للجهل المستبد بعقول الكثيرين من جهة، وللتعاطي الإعلامي السلبي مع الخلافات بين المكونات لثقافة الكراهية والعنصرية بين الإخوة في الوطن و المصالح و المصير المشترك بحلوه و مره من جهة أخرى.

في هذا السياق و على وقع ما يجري من تحولات بهذا الصدد سألني أحد الإعلاميين البارزين هل ما إذا كنت أعني عمليا تبنى ما أسماه "الدعوة إلى النداءات الفئوية" نتيجة الظهور احيانا إلى جانب منظمي تظاهرات سلمية مرخصة تسلط الضوء عبر وسائل الإعلام المرئية و المسموعة على حالة استياء بعض المواطنين في شرائح بعينها من النظرة الدونية التي تعانيها و ضاقت بها ذرعا و من الإقصاء المتمخض عنها بالنتيجة؟


فأجبت على الفور:

- إن الذي تسمعه أذناي و تراه عيناي غير ما لا أراه و أسمعه يُستنكر لفظا أو يُؤتى عملا.

فرد بأسرع مما أجبته و عيناه لا تخفيان استغرابا و خلو بال عفوي من حصول إجابة في مثل هذا الحد من السذاجة المخالفة أو بالأحرى المقاطعة للمنطق الاجتماعي المعهود عنده بالفطرة و للغة المجتمعية السائدة الناطقة في فصاحتها و في هزلها ببنيته القاعدية الراسخة رسوخ الجبال:

- كيف أنك لا ترى ما يراه غيرك و لا تسمع؟

و بما أنني لا أجيد مطلقا فن الجدل و لا أطيق اللعب بالألفاظ بعيدا عن مداركها الصحيحة في أي حيز يبعد عن النظرة الموضوعية و المجردة من اعتبارات الواقع أيا كانت، فقد اكتفيت بالقول:

- أنا أكره النظرة الدونية التي تُرمق بها بعض شرائح الأمة من لمعلمين و "إيكاون" و "آزناكه" و "لحراطين" و من "تبلات" "بايلو"  و "كيول" و "كايناكو"و "تك" وغيرهم في مجتمعاتنا الزنجي بكل مكوناته، كما أكره النظرة ذاتها في المجتمعات الأوروبية و الآسيوية  التي يصطلي بها الغجر من "الجتان" و "البوهيم" و غيرهم  و"المنبوذين" من المجتمعات العرقية الصغيرة في شبه الجزيرة الهندية بمفهومها الجغرافي الواسع و في الصين و شعب "الأبوريجين" الأسترالي الأصلي و غينيا و غيرها من المنتشرة في الجزر و الأرخبيلات الموزعة بين القارات الثلاثة وفي محميات الهنود الحمر في الولايات المتحدة الآمريكية وكندا من التي تعتز بخصوصياتها و تتشبث بها رغم الزوابع و الأعاصير التي لا تكف عن التربص بها و الفتك أحيانا بعيدا عن إملاءات الإنسانية و ضوابطها.

و قد قلت له أيضا:

بهذا و في هذا العصر الفريد بما يوحي به و يجسد من تلاقي الإنسانية على كل القواسم المشتركة بين البشر وما بدأ يلوح من نتائجألمعية علماء الدين الإسلامي الحنيف من قوة و نضج تأويل نصوصه التي لا يأتيها الباطل بما جاء به من الحق  و العدل و الإنصاف، فإنني لست أنشد و لست أخشى في آن أية مواجهة مع أي كان في أمر يرقى بكل أبعاده و أهميته القصوى إلى قضية أنا أومن بها في قرار نفسي و بأن لا أحد، يتمتع بعقل سوي و نزاهة فكرية سليمة، يعارضني فيها علما بأنها ليست في شيء ملكي دونه، و بأنها من أرفع درجات الوعي النبيل و أرهف علامات الإنسانية الفائقة و أعلى درجات القدرة في التسامي على الاعتبارات من هذا المستوى القطعِيِ التخلف و البالغِ الرجعية المدمرة و الموغلة في ظلامية الفكر و العداء الغيرِ معلوم، من فرط تراكمات الجهل، للدين الإسلامي الحنيف في رسالته السامية المتعالية عن أدران النفوس المسكونة بالكبر و الاستعلاء، و العادلة الخالدة التي رفعت الإنسان إلى درجة الاستخلاف في الأرض، و نبذت بأمرها بالعدل في الحكم و الاستقامة في التصرف كل أصناف التراتبية و الانتقائية و التسلطية.

إن المطالبة بحق الاعتبار و رفع القهر النفسي المصطنع و الجور التسلطي المادي الإقصائي هو حق مشروع يكفله الشرع الإلهي منذ فجر الإسلام و تدافع عنه النظرة الدينية المتجددة بتجدد العصر و خروج المفاهيم من براثين الجمود و ما تمليه على "الوضعي" في دائرة اعتباره للقيم الإنسانية و تحت مظلة الديمقراطية التي أصبحت نهجا عالميا يعمل بوقود مساواة شعوب البيت الكوني في الحقوق و الأدوار.

من هنا فإنه لا بد في ظل غياب السياق العلمي و خور نخبه و تعثر السياق السياسي في متاهات الصراعات العقيمة على الريادة الوهمية، أن يتقبل ضمير المجتمع في توحد يمليه - و لا مفر من أن يَفرضه عليه التجديد نفسُه - الحراكُ "المطالباتي" إن جاز التعبير، تديره اليوم كل الفئات التي ما زالت واقعة تحت التأثير النفسي للدونية و الإحساس بالغبن و بالتغييب المادي المُمَنهج في ظل الاعتبارات الطبقية داخل نظام القبيلة و في القوالب و ضمن التقسيمات المماثلة وسط الإثنيات الزنجية. كما أنه لا بد حتما أن يستجيب عن وعي بالغ ذاك الضمير الجمعوي لنداء الوطن من منطلق النزاهة الفكرية و الأمانة العلمية و أن يشحذ الهمة و يحفز الإرادة الصادقة في سبيل إحلال العدالة لبناء دولة القانون و نشر و إتباع مناهج المساواة.

بهذا الوعي النابع من إدراك الشعب عمليا و من تلقاء نفسه و من منطلق الإستشعار الدقيق لضرورة إحقاق المساواة و فتح سبل التكامل الذي هو وحده الكفيل بضمان الاستقرار و بإحقاق الأمن و الأمان للجميع فيجعلهم تلقائيا في خندق الوطن المشترك يبنونه بسواعد متشابكة و يحمونه بصدور مفعمة بحب التضحية و الفداء. و هو الإحساس إن حصل الذي يحفز حتما أصحاب القرار إلى الإصابة في رسم السياسات و الدقة في إعداد الخطط و التوفيق في بسط قوة القانون بعدالة و صرامة.

لكن سيظل غياب هذا الوعي على مستوى القاعدة الشعبية التي هي العامل الأبرز بذلك في تعمد إبقاء طوائف قليلة على مستوى إملاء المنهاج القائم الذي يستمد كل قوته و نفوذه من إحكام قبضة المفاهيم الرجعية و الإقطاعية و استحكام كل أوجههما البشعة:

- في توزيع القوة و الضعف،

- و السلطة و التبعية،

- و الغنى و الفقر،

- و قتل الوعي و روافده،

- و سيادة الحيف و توابعه،

على هذه الربوع التي إن عمها العدل و المساواة يوما كفت أهلها من خيراتها و أسكنتهم بأمن في رحابها الممتدة في كل الآفاق و كانت قبلة لمنشدي العدالة و السعادة من غير شعبها على الأطراف من الجوار و غيره من عوالم أبعد.

الشيخ ولد بايه ومعارك "حرب الخفافيش المسعورة"!

النقيب المتقاعد أحمد سالم ولد كعباشغصت مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المواقع الإعلامية الإلكترونية في موريتانيا، مؤخرا، بسيل من التحامل ضمن حملة شعواء تستهدف شخص عمدة مدينة ازويرات، ومهندس مفاوضات تجديد اتفاق الصيد بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي، الشيخ ولد بايه.. واستند كل من شاركوا في تلك الهجمة الشرسة، في حملتهم؛ ظاهريا على الأقل، إلى مقتطف من حديث للرجل يؤكد فيه أن ما يملكه من مال سليم المصدر؛ حيث حصل عليه بشكل قانوني لا لبس فيه.. وكأن الكسب الحلال بات جرما يستحق صاحبه أن يجلد أو يرجم أو تقطّع يداه ورجلاه من خلاف أو ينفى من الأرض!

ولقد وجدت من واجبي، كعارف بولد بايه وشاهد على جوانب مهمة من مساره المهني، ونزاهته ووطنيته وصدقه؛ أن أدلي بجملة من المعطيات التي لا مطعن فيها، لأن الجميع يعلمها ويحسها واقعا ملموسا لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد... وفوق ذلك، حتى لا أحشر ضمن زمرة الساكتين عن الحق، وأعوذ بالله أن أكون "شيطانا أخرس".

أولا: لم تكن الحملة الحالية أول هجمة من نوعها يتعرض لها الشيخ ولد أحمد ولد بايه؛ وإنما هي جولة جديدة في حرب مسعورة وقودها الجشع، والحقد والعداء لكل من يعمل بجد وتصميم على تخليص وطنه وشعبه من مافيات النهب الممنهج لثرواته وموارده..

بدأت أولى تلك الجولات مع تقلد الرجل إدارة مندوبية الرقابة البحرية حين أدخل نظاما لمراقبة كامل المياه الإقليمية لموريتانيا بواسطة الأقمار الاصطناعية؛ بهدف منع أساطيل الصيد غير المشروع من مواصلة استنزاف الثروة السمكية كما كانت تفعل على مدى سنوات طوال دون رادع ولا وازع.

لقد جنّد كبار متعهدي سفن الصيد الأجنبية من "رجال الأعمال" كل الوسائل المادية والمعنوية من أجل النيل من شخص السيد الشيخ ولد بايه؛ تارة باعتبار أنه يعمل على إغضاب شركاء موريتانيا الأوروبيين؛ وطورا بالترويج لعلاقة مفترضة بينه وبين شبكات تهريب المخدرات!؛ وأحيانا عبر ادعاء امتلاكه حسابات في بنوك أجنبية! صحيح أن "ما في نفسك يدلك على الناس".. ولأن الحق يعلو ولا يعلى عليه، فقد باءت تلك الجولة الأولى بالفشل الذريع، وخرج "فرسانها" و من حشدوا معهم يجرون أذيال الخيبة ويتجرعون مرارة كيدهم..

ثانيا: عندما تم توقيع اتفاق الصيد بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي، سنة 2012؛ إثر مفاوضات شاقة قادها ولد بايه، بنجاح باهر؛ تم النص على إلزامية تفريغ حمولة جميع السفن، المسجلة لدى المتعهدين الموريتانيين في ميناء نواذيبو، بعد أن كانت تتهرب من أي تفتيش بذريعة واهية تتعلق بعوائق تقنية وهمية.. وقد وقف المتحاملون على الرجل، اليوم كما الأمس، بضراوة ضد هذا البند وحاربوه بكل ما أوتوا من قوة؛ رغم أنه مكسب عظيم لموريتانيا، سياديا، واقتصاديا، واجتماعيا..

وقفوا، بما أوتوا من وسائل وإمكانيات، ضد وجود الشيخ ولد بايه في قطاع ظل لعقود، مرتعا لنهبهم وسطوتهم التامة؛ لدرجة أنهم باتوا على قناعة من أنهم خارج إطار المساءلة.. وقفوا ضد تفريغ السفن في ميناء نواذيبو؛ وقفوا ضد ردع السفن المخالفة لقوانينها والناهبة لثرواتها الوطنية؛ وقفوا ضد حصة 2% من الكميات المصطادة، والمخصصة للموريتانيين الأكثر فقرا واحتياجا؛ وقفوا ضد الكفالة المالية المفروضة على السفن؛ وقفوا ضد مرتنة 60% من العاملين على ظهور تلك السفن...أظهرو، بجلاء، محاربتهم لكل ما يصب في المصلحة العليا لموريتانيا؛ حتى بعد أن نجحت في نيل ما أرادت... رغم قبول الأوروبيين بذلك، وإن على مضض!

لم يستسغ زبانية نهب الموارد البحرية الوطنية؛ المتشدقون اليوم بالحرص على "النزاهة ومحاربة الثراء" القانوني؛غير المشروع من وجهة نظرهم؛ إقصاء الحكومة الموريتانية لسفن صيد الرخويات، والتي كانت من أهم مصادر "ثرائهم" هم، "المشروع" في منطق وقانون مص عرق ودماء الموريتانيين، وشرعة بيع الوطن لقاء عمولات تدفع باليورو.. فما كان منهم إلا أن أطلقوا جولة أخرى من حربهم القذرة ضد موظف وطني لم يزد على أداء واجبه بكل نزاهة وكفاءة واقتدار؛ لكنه، بالنسبة لهم كان سببا في قطع مصادر ثرائهم وسر وجودهم، واستئصال خراطيم النهب التي عاشوا عليها ردحا طويلا من الزمن.. ولم تكن تلك الجولة بأفضل حظا من سابقتها، حيث ولّوا على أعقابهم مدبرين.

ثالثا: بما أن المنهزم في أية معركة يحاول استغلال الفترة الموالية لتحليل أسباب تلك الهزيمة ومحاولة إعداد العدة للجولة التالية، وتحين الفرصة التي يراها مواتية للإجهاد على "العدو"؛ لم تخرج خفافيش الحرب ضد ولد بايه على هذه القاعدة التقليدية؛ حيث وجد مناوئو اتفاق الصيد الجديد في ترشيح الرجل لمقعد عمدة بلدية ازويرات، بناء على دراسة ميدانية لتطلعات السكان، وحرص على تحقيق مكسب انتخابي مضمون يدعم القاعدة الشعبية العريضة لرئيس الجمهورية،؛ محمد ولد عبد العزيز، على أعتاب انتخابات رئاسية؛ فرصة لبدء هجومهم في جولة جديدة من "حرب الخفافيش" التي تستهدفه.

نزل هؤلاء بخيلهم ورجلهم لخوض معركة تختلف في ميدانها وطبيعتها عن الجولتين السابقتين؛ رغم وحدة الأهداف والدوافع؛ فباشروا حملة أكثر شراسة لشراء الذمم من أجل إنجاح أي مرشح آخر منافس للشيخ ولد بايه، بما في ذلك مرشحو أحزاب المعارضة، ورصدوا أموالا طائلة في حملة تشويه دعائية محلية وعبر بعض وسائل الإعلام المجندة، أصلا، لهذا الغرض.. لكن وعي سكان المدينة المنجمية وضجرهم من دعايات عهود الفساد وممارسات مصاصي دماء الشعب وخفافيشهم؛ إلى جانب معرفتهم بالرجل وخصاله ومساره الناصع؛ كانت كلها عوامل مكنت من هزيمة الباطل من جديد وانتصار الحق نصرا مبينا؛ حيث تجسد رد ساكنة ازويرات في انتخاب الشيخ ولد أحمد ولد بايه عمدة لمدينتهم.. وخرج المبطلون، مرة أخرى، مهزومين شر هزيمة..

لقد غاب عن هؤلاء أن نقل حربهم، الخاسرة بكل المقاييس، من ميدان خبروه طيلة عقود، وتلقوا فيه هزائم متكررة (مجال الصيد البحري)؛ إلى ميدان آخر يجهلون أبجدياته الأساسية (مجال السياسة)، كان في حد ذاته إقرارا منهم بالهزيمة التامة في الميدان الأول؛ من جهة، ومن جهة أخرى، نوعا من المغامرة غير المحسوبة.. فإلى جانب الرد الصاعق الذي واجههم به الناخبون في ازويرات؛ هاهو الرد الأكثر صعقا يأتي من رئيس الجمهورية شخصيا؛ من خلال اختياره لمدينة ازويرات، وحدها بعد نواكشوط، ضمن تدشيناته بمناسبة الذكرى الـ54 للاستقلال الوطني؛ وكذا من خلال حرصه على ذكر نسبة مصائد الأسماك المخصصة للتوزيع المجاني على المواطنين في مشارق البلاد ومغاربها، في خطاب الاستقلال؛ باعتبارها أهم إنجاز حققته البلاد في مجال الصيد البحري خلال مأموريته الأولى..

رابعا: لم يسلّم زبانية "حرب الخفافيش" بخسارتهم، رغم الهزائم المتلاحقة التي باؤوا بها في جميع الجولات؛ بل سولت لهم أنفسهم أن يجربوا ميدانا آخر؛ عساه يكون حلقة أضعف من سابقيه لتحقيق "حدث خارق" يتمثل في انتصار الشر على الخير؛ وبالتالي قلب قانون طبيعة الكون التي أقرها خالقه في الأزل!

الميدان الجديد الذي اختاره هؤلاء مسرحا لمعركتهم ضد ولد بايه، كان الشركة الموريتانية للحراسات، التي أسسها الرجل ويتولى إدارتها، التي أنهت عقودا من معاناة آلاف الموريتانيين، بين عسكريين سابقين، متقاعدين أو مسرحين من الجيش؛ وعمال سخرة تمتص عصابات سماسرة البشر عرقهم ودماءهم منذ أمد غير قصير؛ مقابل نسب ضئيلة من رواتب تأخذها باسمهم من الشركات العملاقة، دون أية حقوق أو امتيازات؛ أي دون ضمان اجتماعي، أو حق في السكن، أو حتى العلاج، ودون أية عقود عمل تربطهم بمشغليهم؛ أو على الأصح مستعبديهم.. حاول "فرسان" الحرب على ولد بايه، تأليب مجموعة ممن أقصاهم إصلاح نظام العمالة الجديد، المطابق لجميع ترتيبات مدونة الشغل؛ بسبب بلوغهم سن التقاعد، أو عدم الأهلية للعمل، ضد الشركة من خلال دفعهم إلى الخروج في حراك احتجاجي بدعوى "المطالبة بالحقوق"؛ متجاهلين أنهم هم من منعوهم أبسط الحقوق طيلة عقود من أبشع صور الاستغلال.

وككل الجولات الفاشلة السابقة، بذل المتمالئون ضد ولد بايه، الحانقون على كل وطني نزيه، ما أوتوا من وسائل مادية ومعنوية في سبيل تحقيق مبتغاهم من هذا التحرك الجديد؛ لتتحطم كل مساعيهم على صخرة الواقع المعيش والماثل عيانا للجميع..

لقد مكنت الموريتانية للحراسات من تسوية وضعية الآلاف من العمال الذين كانت تستغلهم شركات تشغيل وهمية (تاشرونا)، والعسكريين السابقين الذين أفنوا سنين شبابهم وعطائهم دفاعا عن هذا الوطن وتضحية في سبيل عزته وكرامته وأمن مواطنيه، من رفاق الشيخ ولد بايه في السلاح؛ والذين أعتز بكوني واحدا منهم.. ووفرت لجميع هؤلاء مواقع عمل دائمة بمرتبات معتبرة، مع جميع الحقوق المترتبة على ذلك من عقود، وضمان اجتماعي، وتأمين صحي، وحق في المعاش. ولأن قادة وجنود "حرب الخفافيش" من مصاصي دماء البشر مدمنون على تلك الدماء، فقد دفعوا بمجموعة من العمال "غير الدائمين" من ضحاياهم السابقين، إلى تهلكة السير على الأقدام من ازويرات إلى نواكشوط؛ معرضين حياتهم لكل أنواع الخطر رغم تقدم أغلبهم في السن؛ ليجدوا أنفسهم قابعين في أرض جرداء بعيدا عن ذويهم وأهليهم وبيوتهم؛ تلفح وجوههم الشمس الحارقة نهارا، ويقاسون لسعات برد الشتاء القارس ليلا على مشارف العاصمة، لا لشيء سوى إشباع نزوة زمرة من ناهبي ثروات الشعب والمتاجرين بمصالح الأمة؛ لكن الحق حصحص فأزهق أباطيلهم كما في كل الجولات السابقة..وفي وقت لم يزل فيه باب الحوار مفتوحا أمامهم على مصراعيه بإشراف من مفتشية الشغل.

ولئن كان سكان مدينة المناجم قد بدأوا يجنون ثمار انتخابهم عمدة من عيار السيد الشيخ ولد أحمد ولد بايه؛ من خلال الإجراءات العملية التي بادر باتخاذها فور تسلم مهامه، من قبيل حل أزمة مياه الشرب المزمنة، بتوفير ما يربو على 12 شاحنة صهريج جديدة توزع الماء الشروب على مدار الساعة، وإعادة تأهيل قطار نقل المياه من بولنوار بولاية دخلة نواذيبو؛ مع تنفيذ إستراتيجية مستدامة لضمان تزويد الساكنة بالماء الشروب؛ تمثلت في بناء سدود وحواجز مائية؛ وإلغاء جميع الرسوم الضريبية التي كانت مفروضة على المحلات التجارية الصغيرة، وإلغاء كل الضرائب عن البضائع القادمة إلى المدينة عبر الحدود الشمالية؛ وتأهيل المستشفى الجهوي؛ ودعم التعاونيات النسوية، والجمعيات الشبابية، الثقافية والرياضية.. فضلا عن التكفل بحج عشرة شخاص في سن الستين فما فوقهان كل عام عن طريق القرعة، وكذا تقديم منح لجميع الطلبة الناجحين في الباكالوريا على مستوى ازويرات، الذين يلتحقون بجامعة نواكشوط... فإن سكان باقي مناطق موريتانيا، من نجاكو إلى بير أم اكرين، ومن نوامغار إلى فصاله؛ مرورا بأحياء نواكشوط، ومدن وقرى ولايات ا تيرس زمور، وآدرار، وإينشيري، والترارزه، ولبراكنه، وكوركول، وكيديماغاه، وتكانت، ولعصابه، والحوضين... نالهم نصيب من نجاحات هذا الرجل؛ من خلال كميات الأسماك التي أصبحت توزع عليهم من طرف شركة توزيع الأسماك التي أنشأتها الدولة بفضل اقتطاع نسبة 2% من حمولة سفن أساطيل الصيد الأوروبية التي يتم تفريغها في ميناء نواذيبو بموجب اتفاق الصيد في صيغته التي سفرت عن المفاوضات التي قادها ولد بايه وأغاظت حملة لواء محاربته..

ولعل من الجدير بالتذكير أن هؤلاء، بالذات، هم من كانوا يفرغون ملايين أطنان الأسماك، بعد نزع بيوضها، في قاع المحيط ليقذفها على اليابسة، وغالبا ما يلقون بها إلى الشاطئ؛ فتتعفن أو تتحول إلى طعام للذئاب والطيور والحشرات.. يضنون بها حتى على جياع بلدهم! ويذرفون دموع التماسيح، اليوم، متباكين على ذلك العهد الذي يرفضون الإذعان لحقيقة كونه قد ولى إلى غير رجعة.. عهد ازدهرت فيه ممارساتهم التي ترقى إلى مستوى الجرائم الاقتصادية، وأحيانا إلى درجة الجرائم ضد الإنسانية، وخيانة الوطن، وتدمير الوسط البيئي؛ ولا بد أن يحاكمهم التاريخ عليها يوما ما، عاجلا أو آجلا.. ويكفي أن منظمات حماية البيئة في أوروبا طالما نددت باتفاقيات الصيد السابقة مع موريتانيا باعتبارها تخريبا للتوازن البيئي العالمي، وتهديدا لبقاء الكائنات البحرية، السمكية والنباتية وبالتالي خطرا على الأوروبيين مثلما هي خطر على الموريتانيين من باب أولى...بينما يتباكى عليها من يفترض أنهم وطنيون بحكم الانتماء والأوراق الثبوتية الموريتانية!

ختاما أنوه إلى أن حملة التشويه الدعائية الأخيرة جاءت عقب تلقف بعض مواقع التواصل الاجتماعي لفقرة مجتزأة من حديث عفوي صادق أدلى به ولد بايه؛ يعلن فيها أنه تمكن من تحصيل الكثير من المال بالطرق القانونية المشروعة؛ متحدثا عن نسبة 48% التي تعود لإدارة خفر السواحل الموريتانية كرسوم تدفعها سفن الصيد، وفق المساطر المعمول بها في البلاد؛ ومنها يتم تأمين رواتب الموظفين والعمال، واقتناء وصيانة المعدات والتجهيزات، وتغطية مختلف نفقات التسيير، إلخ.. وكان الرجل يقصد بضمير المتكلم الهيئة التي يقودها وليس شخصه بذاته.

غير أن المتربصين به ممن جاء ذكر سلسلة من إخفاقاتهم المدوية أعلاه؛ اتخذوا من تلك التصريحات، فيما يبدو، منطلقا لجولة جديدة من "حرب الخفافيش" المستعرة ضد الرجل؛ متوهمين أنهم بذلك قد يحققون شيئا مما عجزوا عنه خلال جولات سابقة أحمى وطيسا وأشد ضراوة .. ولقد أغاظهم أن مسؤولا وطنيا مثل الشيخ ولد بايه تجرأ على التصريح، علانية، بمصادر أمواله؛ وهو أكثر شيء يمكنهم سماعه، وهم الذين كدّسوا الأموال الطائلة التي تنوء بحملها حاويات سفنهم على مدى عقود متتالية من النهب والمتاجرة بخيرات الأمة وموارد الوطن.

 

 

سلَّمْ ليِ اعْلَ الِّ مَا يعْرَفْنِ

سلَّمْ ليِ اعْلَ الِّ مَا يعْرَفْنِ أمَّ لِيَعْرَفْنِ إدورْ إجينِ - دائما ما نحمل هذه الرسالة الرائعة من وديان النخيل في موسوم "الكيطن" ونحملها من شواطئ المحيط في زمن "أزولْ" لمن فاته التمتع بهذه الفرصة الرائعة، لكني اليوم أحمل هذه الرسالة من شخص إلى بعض النخبة الصحفية، الذين غلبت عليهم صفة من صفات غزلان هذه الصحراء وهي ضعف الذاكرة، وصفة من صفات العرب وهي العاطفة الجياشة.

حيث أطلقوا أسنة أقلامهم وأفواههم، اتجاه من لا يعرفون وليست له علاقة مباشرة بقضية الحراس وإن كان رئيس مجلس إدارتها.

إن وجودي في ذلك الفيديو المجتزئ من سياقه ،خلف هذا القائد ومعرفتي ببعض فضائله تجعل علي واجب الإدلاء بشهادتي في هذه الحادثة الإفكية.

إن الشيخ ولد أحمد ولد باي هو نبتة طيبة، سقيت بعرق جبين والده العامل البسيط في جرنالية شركة أسنيم، كما ظل يعتز دائما، ومكنته الدولة القوية يومها من التعليم والتوظيف بلا واسطة ولا منة من فرد أو قبيلة. فكانت ثمار الفتى للوطن وللوطن فقط.

لقد اكتتب الشيخ ولد أحمد في الجيش الوطني مع بعض زملائه ليكونوا ضباطا بحريين، لكن ظروفا معينة جعلتهم يرسلون إلى أكاديمية مكناس ليكونوا ضباطا بريين، ووافقوا جميعا إلا صاحبنا، مما جعله يرجع إلى البلاد وينتظر فترة غير قصيرة قبل أن يحصل على منحة إلى دولة العراق، ومن العراق تخرج ضابطا بحريا والتحق بمديرية البحرية الوطنية في انواذيبو، حيث ظل مثالا للقائد على الأقل من حيث :

1.   الاهتمام بالمرؤوسين

فالجميع يعرف أنه لم تجره الظروف الصعبة التي مر بها، إلى أكل قوت الجنود الذين تحت إمرته ويذكر الكل كلمته الخالدة، بأنه يمكن أن يأكل قيأه ولا يأكل إعاشة جنوده.

 

2.   الثقة بالنفس

على الرغم بأنه تعرض للظلم في التقدم كغيره من المظلومين في المؤسسة، إلا أن ذلك لم يلجئه إلى وسائل استغلها بعض الناس الذين توفرت لهم في تجاوز الصعاب.

 

3.   خدمة المحرومين

بجهود فردية محدودة لمحروم، استطاع الشيخ ولد أحمد فتح مدرسة لأبناء مجموعة من البدو، يعيشون في منطقة الزيرة، قرب انجاكو وخريجوها خير برهان على طيبوبة وحسن سيرة الرجل، وقد نالت وادان وازويرات مثل ما نالت الزيرة بعد ذلك.

 

4.   الشجاعة

على الرغم من أن المقدم الشيخ ولد أحمد  لم يكن بفعل الإقصاء والتهميش مقدما إلا إلى التقاعد ليلة 8 من يونيو 2003، إلا أنه استطاع وحيدا استعادة السيطرة على مديرية البحرية في وقت مبكر وكان لذلك دور كبير في سير الأحداث بعد ذلك.

 

الإنسانية العالية

كما أنه احتفظ بعلاقات طيبة ومعاملة حسنة مع زملائه من الزنوج الموريتانيين إبان أحداث التسعينات، وقد تمكن من موقع المسؤولية كمدير للبحرية إحداث نقلة نوعية في ظروف السجناء على إثر أحداث 2003، فبشجاعته المعهودة في وجه قادته وتسييره الشفاف للموارد التي تحت يده أنقذ الوطن من كارثة حقوقية وإنسانية، شهودها أحياء ويروونها من غير سؤال، والموارد يومها لا تتجاوز 99 أوقية للفرد والأحاديث والنقاشات التي دارت لا تزال في مسامع أهلها.

وقد ظل سندا للقيمين عليهم ماديا ومعنويا حتى انتهت المحاكمة في فبراير 2005 وأطلق من أطلق وأحيل إلى السجن المدني من أحيل.

لكنه دفع ثمن كل ذلك سريعا، فعزل عن الإدارة في مارس 2005 وعين ملحقا في انتظار أن يأتيه التقاعد.

لكن الرياح تجري بما لا تشتهيه السفن، إذ بعد أشهر قليلة جاء انقلاب الثالث من أغسطس، فكان من أول قراراته تعيين المقدم الشيخ ولد أحمد على الرقابة البحرية وتلك قصة أخرى.

فصاحبنا قد عين قبل سنين في هذا المنصب، لكن ضغوطا من متنفذين جعلت الدولة تتراجع عن تعيينه في نفس اليوم الذي عين فيه.

وبعد تعيينه الجديد في المنصب دب الخوف في من يرون أنفسهم خصوم الرجل من رجال الأعمال والأجانب المستغلين لهذا القطاع الحساس، حيث وفعلت القوانين، فتدفقت الأموال على خزائن الدولة بالمليارات واستفاد العاملون عليها نسبتهم التي يمنحهم القانون والشرائع السماوية والأرضية.

وكان الرجل سباقا إلى توظيف الناس ومساعدة الفقراء والأيتام والمحتاجين والمرضى مع الشفافية التامة في التسيير.

ولا يزال أرشيف موقع المندوبية المكلفة برقابة شاهدا على شفافية الرجل في التعامل مع الغرامات على السفن.

وفي سنة 2010 أحيل الرجل إلى التقاعد وسلم المؤسسة وخزائنها ملئ بالمليارات وعمالها جميعا منعمون ووسائلها في تمام الجاهزية بعد أن أرسى أسلوبا جديدا في العمل وفي المفاوضات يعتمد على قوة الدولة أمام الخصوم الندية أمام الدولة والتكتلات الدولية، وقد سكب مداد كثير عن المفاوضات واتفاقيات الصيد مع الاتحاد الأوروبي وعن ملف الهجرة السرية ومحاربتها لن أرجع إليه.

وقد أسس شركة الأسماك وتمكنت في فترة وجيزة من توزيع الأسماك في مناطق لم تذق طعمه ولم تشم رائحته عبر التاريخ وسلمها مكتملة التجهيزات وأرصدتها بمئات الملايين وقواعد عملها على أساس ثابت وقابل للاستمرارية والتطور.

وفي سنة 2013 وقع اختيار الحزب الحاكم على صاحبنا لمقارعة حديد ازويرات وكان له ما أراد، وحيث كنت مسئولا إعلاميا في تلك الحملة من طرف نفس الحزب على مستوى مقاطعة ازويرات وظاهر خلف الرجل في ذلك الفيديو المجتزئ من سياقه، فإليكم شهادتي مختصرة من خاتمها.

تقدمنا في الشوط الأول بنسبة كبيرة عن أقرب المنافسين وفي الشوط الثاني انضمت إلى شاكلتنا جميع أحزاب المعارضة الرئيسية من أمثال حزب التحالف الشعبي التقدمي وحزب التواصل وآخرون لا تعلمونهم بضغط من قواعدهم الشعبية، وكان الفرق شاسعا بيننا وبين المنافس، في مدينة ظلت إلى وقت قريب معقلا حصينا للمعارضة.

وقد حمد أهل ازويرات حسن اختيارهم وكل يوم يزدادون حمدا وشكرا حيث ألغيت عنهم ضريبة البلدية 100  %، كما تم تخفيض الضريبة عن العمال الذين يقطنون سكن سنيم،وتم توفير المياه مجانا لكل منزل، وفيا يخص المواد الغذائية القادمة من الشمال تم إعفائهامن  الضريبة بالنسبة لسكان ازويرات، وليست التدشينات الأخيرةوالتيكان للعمدة ولد باي دور بارز في تشيد أغلبها والتيمن أهمها  سد أم لحبال القادر علي حبس حوالي 273 ألف مترا مكعبا من المياه  وتوسعة مطار ازويرات التي جعلت منه مطارا دوليا مؤهلا لهبوط الطائرات ذات الحجم, والتدشينات محطة تحلية المياه إلا خير برهان على عمل وصدق الرجل.

أما عند قضية الحراس والذي نأسف لحالهم وقد تابعت قضيتهم من خلال الإعلام ولاحظت كما لاحظ الكل وكما قالوا، أنهم لا يتوجهون إلى القضاء ولا إلى المحامين ولكن إلى شخص الرئيس، وهي في الحقيقة كلمات عاطفية لا يستند صاحبها إلى مطالب شرعية، وإني أقترح عليهم تشكيل لجنة، واختيار محام يثقون فيه من أجل تقديم مقترحات طبق القانون أو مقترحات إنسانية تستند إلى القانون لرفع المعاناة عن هؤلاء الضعفاء المستغلين من حيث لا يعلمون.

وأؤكد لكم جازما ومن خلال معرفتي بالرجل أنكم ستلقون الدعم الجزيل على تجاوز محنتكم واجتياز الفخ الذي وقعتم فيه.

الخيط الواهي بين إرهاب الفكر و فكر الإرهاب / الولي ولد سيدي هيبه

هل من حرب أشد وقعا و أبلغ أثرا من التي يديرها الإرهابُ الفكري و إن في صمت السلاح فبمريب الخطاب و خطير المقاصد، ينخر العقول و يجرفها إلى مزالق يتحول معها الآدمي إلى شبه وحش كاسر لا تعرف الرحمةُ طريقا لها إلى عقله المغتصب حين ذاك و المجبول على غريزة الافتراس يلازمه الغل و الكراهية و الحسد و الرغبة الجامحة المدفوعة بالعمل الذي يأخذ مبلغ تشكله ثم تجسده في التعسف اللفظي و الفعل الجسدي الموُصلين بالنتيجة إلى تهميش و إقصاء الآخر و كسر شوكته أو بالأحرى - و بنية أسوء - إزالته حيث أنه لا يفصل عن تبني هذا المسلك الخشن سوى خيط هش من ادعاء حضور الوازع الديني أو العمل بمقتضيات القيم الإنسانية؟

و هل هذا الإرهاب الفكري الذي أتخذ منذ أمد - على أديم هذه البلاد - و في بعض أوجهه أشكالا و اتبع مناهج و اعتمد خلفيات و توجهات توزعت بين التأثير الحزبي و الحركي، إلا المؤدي بحتمية إفرازاته و نتائجه الموغلة في سياق كسر كل حواجز اللباقة و الكياسة و الرشد و التعقل إلى سد المنافذ أمام دوافع الحوار و مبررات التقارب و آليات التفاهم و مسوغاته و رغبة التقاسم و تبادل القبول أو الانصهار و التمازج أو التكامل و الوحدة و الوئام؟

و هل هو إلا الإرهاب الذي يستشري أيضا و يتمدد بسرعة مذهلة كالبرعم على أرضية خصبة تمده بأملاحها و بأشعة شمسها الملتهبة، إلا المولود من رحم العجز عن مسايرة معطى الحداثة و وجوب الطلاق النهائي من اعتبارات الماضي المخالفة لناموس التحضر و منطق العصر استجابة لضرورة قيام دولة القانون و المواطنة؟

و لا يخفى أن هذا الإرهاب الفكري الذي يصعد وتيرة تحديه للاستقرار و يهدد الوحدة الوطنية و يسعى في بعض أوجهه المتطرفة من كلا الوجهين الماضوي الظلامي و المتمرد الجامح أن يفتح باب الصدام بين فئات و مكونات الشعب الذي يفتقد إلى الأطر المُعِينَة على غرس قيم الجمهورية و حب السلم الاجتماعي و إرادة المساكنة التكاملية و قبول الآخر بما يمليه المعتقد المشترك، غائبا عن مساحة الفكر و التنظير لصالح خيار الديمقراطية و دولة القانون والمواطنة. وهو الغياب الذي يطرح جملة من التساؤلات المشروعة و الواردة والتي أقلها وليس أقلها أن يبقى التساؤل عن ما إذا كانت النخبة المثقفة السياسية و الفكرية موجودة حقا لتؤدي واجبها في مصاحبة قيام هذه الدولة، أم هل أنها تعاني فقط من نقص الحماس وخور العزائم سريع الاستقالة من وهن وضعف؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك فكيف لهذا الإرهاب اللفظي المتصاعد بين:

·        القوى السلبية، المقيدة في خطابها و عملها بسلبيات الماضي التراتبي و ممارساته الآثمة، التي لا تريد لبؤر النور أن تنفذ إليها و تقض مضاجعها وبين،

·        بعض قوى التمرد التي لا تسعى إلى تحقيق مطالبها عبر قنوات التعقل و النضال المتمدن و الإنصاف والحفاظ على الاستقرار، إذ لا يمنع كل ذلك مطلقا من تبني نهجا قوامه الحزم  مع الإصرار الذي لا مناص من أن يفضيا إلى الانتصار على قوى الجمود و إلى نيل الحقوق كاملة في كنف دولة الجميع و القانون.  

أن لا يكون بكل ذلك هو الإرهاب الفكري الذي ينطوي بكل تجلياته على قدر كبير من المخاطر يعتبر معها الوجه المسلح  جزء فقط من تركيبته العامة و مقاصده الكثيرة المعقدة، الأمر الذي يجعل محاربته و مكافحة كل مشتقاته فرضا مستوجبا على الجميع حكومات و أحزاب و منظمات حقوقية و مجتمع مدني و تيارات فكرية و شعبية على مستوى القاعدة العريضة المستهدفة من كل هذه الأطر في سعيها الحثيث إلى صياغة ذاتها و فرض مكانتها و دورها في دائرة قيام و تسيير الكيان المشترك.

مساء يوم الأحد المنصرم نظم مرة أخرى مركز البحوث و الدراسات الإنسانية في ذات قاعة موريسانتر الكبيرة محاضرة قيمة خضرها جمهور نوعيي و استقت في اختيار موفق موضوعها من صلب انشغالات البلاد بواقع التحديات الجديدة الذي أصبح مرتبطا بشكل وثيق بالواقع الإقليمي من حولها بحكم الجوار و العربي بحكم الانتماء و الدولي بحكم العولمة التي ربطت العالم ببعضه البعض و جعلت قواسم الهم فيه و تداخل و تكامل المصالح ملزمة بتوحيد المواقف إزاء كل التطورات و بتضافر الجهود في وجه التحديات.

و ليس عنوان المحاضرة " الجماعات الجهادية في الساحل والصحراء من القاعدة إلى الدولة " و محاوره الأربعة التي اختيرت بعناية للإحاطة بما أمكن بالموضوع من كل الزوايا بدء بمعالجات الاختصاصيين كل من منظور علمي خاص و بعد تحليلي ممير إلى غاية وحدة الموضوع وصولا إلى استنتاج مخرج شامل يستجلي الصورة كاملة و يحرر من عقد الغموض بجمع القراءات المتباينة في حيز يقربها فيه التلاحق الفكري الإيجابي و التوافق المحمود على القواسم المشتركة، إلا إمعانا من المركز في تقديم مادة ترقى بالجمهور دون تمييز إلى حد ملامسة الفائدة في أقصى حدودها و أحسن تجلياتها. و تعاقبت على إنعاش محاور الندوة مجموعة من الباحثين الأكاديميين وفقهاء الدين و القانون والمختصين المرموقين في الإعلام و قضايا الحركات الجهادية عموما و في الساحل خصوصا. و قد وقف هؤلاء في محاضراتهم كل من محوره على:

·        تحديد مفهوم الجهاد شرعا و مدلولاته اصطلاحا،

·        و على تاريخ هذه الجماعات منذ النشأة إلى اليوم مرورا بما عرفت من توسع و تحولات و ما حققت من نجاحات و اخفاقات،

·        و على روافدها الأساسية،

·         ومفهوم الساحل والصحراء اصطلاحا،

·         و الجغرافيا السكانية و الثقافية و السياسية.

و ترأس فعاليات هذه الندوة الوزير السابق و السفير الأستاذ عابدين ولد الخير الذي استطاع أن يثير، بمداخلات قيمة أطرت و تخللت المحاور، جملة من التساؤلات دفعت بالنقاش إلى إمعان النظر مليا في بعض المفاهيم السابقة كمفهوم الدولة الذي بدأت تتبناه بعض هذه الحركات الجهادية بعد ما كانت تفضل عليه في حربها ضد "الدول" التي تتواجد على مساحات من أرضها، أسماء أقرب عندها و أنسب لمراميها العقائدية كالإ.

و لكن عبثا حاول المحاضرون و من بعدهم بعض المتدخلين - من السياسيين و المنضوين وراء تيارات حزبية و فكرية ضنت بالرؤية التبادلية و الحوارية المتفتحة على رؤى غيرها - أن يفصلوا ظاهرة الإرهاب عن واقع فقر شرائح الشعوب المتواجدة على الأطراف النائية لبلدانها و كأنها الجرب و المحصورة بين فكي رحى استئثار الطبقات المهيمنة في مراكز القرار من أصحاب النفوذ و رؤوس الأموال المشوبة الواقعين على التماس المباشر مع العالم النابض بالحياة و المفعم بالمصالح المادية و الثرورات التي لا تتجاوز الحواضر الكبرى من ناحية، و غياب العدالة الاجتماعية في توزيع الفرص و ممارسة الغبن و البعد عن بؤر أنوار الحداثة و روافدها النفسية و المادية في دائرة الوطن بكل جهاته و أطرافه النائية تماما و هي الحالة في الصحراء الكبرى التي تتقاسم فضاءها الرحب و في أقاصي كل منها على الحدود مع الأخريات، دولُ محور تواجد الحركات الأصولية و الجهادية و الانفصالية و المتمردة على المركز و شبكات الاتجار بالممنوعات و الأسلحة و مطمع مكب النفايات عند الدول المتقدمة صناعيا.

و لكن الحقيقة التي لا تتطلب كبير بحث حتى تدرك هي أن فقر شعوب هذه الأطراف بغض النظر عن ألوانهم و أجناسهم و مذاهبهم المعتقدية و لغاتهم في الدول التي تعاني من سوء في الحكامة و مركزية في القرار و ضعف و غياب مزمن  للعدالة في شأن تسيير الثروات هي الأسباب الوجيهة التي مكنت مجتمعة من خلق حاضنة منيعة للتطرف و الإرهاب بكل أوجه  التأويلات التي يمكن أن يحمل إياهما من دينية و حضارية و فلسفية و موطن لا ينضب لاكتتاب و تجنيد عناصر مهيأة نفسيا للقيام بأعمال عنيفة.

و لكن يسقط المحاضرون مرة أخرى في شراك الأكاديمية و يستسلمون لدغدغة و سحر التنظير المترف بالألفاظ البديعة و بالمصطلحات العالمة، فأهدروا نصف قدرات مستمعيهم على متابعة النسق و استيعاب المقاصد و صَرفُوهم إلى التوغل في جزئيات الموضوع تارة و على أطراف تارة أخرى.

و معلوم أن الفكر المتشدد هو نتاج محاولة الإبقاء على قوالب ماضية مسها الصدأ عند البعض أو ردة فعل للانكسار و الاحباطات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية و غياب العدالة في تقسيم الثروات و تقليد المناصب و غير ذلك من علامات الغبن التي تصنع الكراهية لتجعلها تتسلل من بعد إلي العقول فتخلق حالة من الرفض لواقع هذا الأمر الذي يولد هو الآخر منطقا و فكرا قابلين لأن يتطورا إلى إرهاب فكري.

و إذ الدولة أخذت على عاتقها مسؤولية محاربة الإرهاب المسلح الوافد و المتاخم فإنه لابد من فك الأغلال والقيود للتحرر من العقلية السائدة و العمل على سد الباب أمام الإرهاب الفكري و الاجتماعي القائم على أيدي و بعقول المتشبثين برواسب الماضي الإقطاعي و الطبقي السقيم من ناحية و على منوال ما بدأت عقول حائرة أخرى و لكنها جريئة تؤسس له و تنظر و تعمل من جهة أخرى بين فكي رحى مطبقة على الواقع الجديد، كما أنه لا بد أن تعلو الأصوات المستنيرة و المثقفة و أن يستعيد المجتمع بكل مكوناته كرامته وهـيبته و تطلق الحرية للفكر والإبداع والتجديد في حدود احترام الثوابت و الخصوصيات، علما بأنهم وحدهم صمام الأمان الوحيد و ضمان التغيير المطلوب من أسفل إلى أعلى وليس العكس لأنه ما دامت القاعدة تشكو من الاضطراب و الفساد فلن تجد القمة القوة المناسبة لتضطلع بمهامها في البناء و الإصلاح.

 

صحيح أنه لكل تغيير سلبياته ولكن لن تكون أبدا سلبياته في حجم الغيبوبة المدمرة التي إن ظلت قد لا يستفاق منها أبدا و يحل محلها مكر الإرهاب المتربص. و لا مناص كما أسلفنا أن يُعطى المثقفون الألمعيون و السياسيون الأكفاء و المنظرون بإنسانية في مجال حقوق المظلومين و المهمشين و كذلك المبدعون في تصميم الخطاب الهادف إلى الوحدة و اللحمة فرصتهم ليقدموا ما عندهم أمام الجدار الذي يسد أفق السلم و  العمل الوطني و يؤسس و ينظر بميزان علوم المهمة للخروج إلى أضواء العولمة حتى يثري و يستفيد.

 

 

 

ثلاثي تمييع الوطن في سرداب الاستقلال / الولي ولد سيدي هيبه

و جميع الموريتانيين على أعتاب الذكرى الرابعة و الخمسين لعيد الاستقلال الوطني الذي تعيش الدولة أجواءه على وقع طفرة إعلامية لم تعرفها من قبل جمعت ركائزه الثلاثة من ورقي و الكتروني و مرئي، يتقاسمُ المواطنين و في تجاذب شديد تنافسُ الفضائيات و المحطات الإذاعية على محاور ثلاثة شديدة التباعد في الطرح و التناول و المغزى هي المقاومة تاريخا و حقا في التمجيد و حراك "إيرا"  الدوافع و المآل و قراءة  تاريخ الاستقلال في فترة تأسيس الدولة على أيدي الرعيل الأول اعترافا و تأكيدا على منطلق قيام الدولة الحديثة. هي إذا موضوعات ثلاثة و اهتمامات شتى و معالجات غرضية متعددة تعدد الطيف المهتم و  متنوعة تنوع المواقف في مفاهيمها و مراميها و منهجية السعي إليها.
بعيدا عن المعالجات الاقتصادية الملحة و الاجتماعية الحيوية  و الثقافية المطلوبة في دائرة الحداثة و في عين إعصار العولمة الكاسح يسير الإعلام المتحرر من قيود الضبط القسريٍ في اتجاه مغاير لذلك بالغوص المرضي في الماضي العقيم دون تأطير منهجي و عملي أو إحاطة متأنية أو ربط عقلاني بالحاضر الواعي و القادر على استشراف معالم المستقبل البناء. و هو الأمر الذي انتبه له البعض  ممن لا يروقهم إلا صناعة  الحاضر بما يتيحه العلم و يوفره من وسائل و تفتح عليه العولمة الطافحة، فانصرفوا عن الإعلام المحلي إلى الأجنبي اتقاء الملل والركود حتى باتوا مبتورين من مجموع المتابعين و المقيمين و المثرين ربما أيضا لمنتجه في حيز عطائه المقيد و المحدود الأفقين الزمني و المكاني.
و أما البعض الآخر فشتته الإعلام بين هذه الاهتمامات إلى قطع متناثرة و بعيدة عن الواقع  الذي يتطلب جرأة  في التناول و قدرة على التوجيه إلى مراكز اهتمام تدفع البلد  إلى الالتحام بالواقع و التزود من عطائه الزاخر ول البلد و من تجاربه التي لا تتوقف عند حد  سبيلا إلى محاربة التخلف و ما يتسبب فيه من دق إسفين الخلافات المؤرقة لذوي الألباب في جسم البلد الذي ما زال مثخنا بجراحات بعض أوجه الماضي الطبقي و الإقطاعي رغم التحولات الإيجابية و الدقيقة التي حدثت في العمق على الرغم أيضا من إصرار البعض على تجاهل ذلك و التصعيد من منطلقه في الاتجاه  المعاكس من ناحية، و التفاؤل المفرط لدى البعض الآخر من ناحية أخرى فيما تحفز كل و تعلله في ذلك أجندة و مآرب أبعد ما تكون عن روح الوطنية و دوافع الإنسانية.
و لما أن الدولة كما أسلفنا تعد العدة للاحتفال بذكرى الوطن و تمجيده فإن تنافس القنوات التلفزيونية و الإذاعية و غيرهما من المواقع الالكترونية و الصحف الورقية على إبراز القدرات الإعلامية و المهارات الفنية و الأداء المهني في تناوله حدثا بارزا و إبرازه فرصة استثنائية لإعداد التقارير و تنظيم الندوات الحوارية و تسجيل المقابلات و الجلسات الحوارية الحصرية و الساخنة، فإن مواضيع ثلاثة أبت إلا أن تطغى على مجمل الاهتمامات و غالب الإنتاجية كخلفيات ثابتة و زوايا محورية متحركة و إضاءات ملونة لكل الاحتفالية بالذكرى الرابعة و الخمسين و هي :
-         المقاومة الوطنية مسلحة و ثقافية كما يحلو للمهتمين بها بحثا و تنظيرا و كتابة و تسجيلا و بثا و إعلانا تقسيمها و تسميتها؛
-         الجدلية القائمة حول العبودية من خلال التحرك الأخير لحركة إيرا و توقيف زعيمها المؤسس برام ولد الداه و ما تمخض عن ذلك من ردود فعل متناقضة؛
-         الدولة و الاستقلال من خلال القراءة في حقبة نشأة الدولة المركزية و حيثيات هذا الاستقلال تثمينا و تأصيلا استنادا و رجوعا إلى الأشرطة الوثائقية بالصوت و الصورة و من خلال الحوارات مع الأحياء من الرعيل الأول و تحليل شهاداتهم حول التأسيس في كل أبعاده.
و لما كانت المقاومة محورا يكاد يكون الخلفية الأكثر بروزا التي تم تعيينها للذكرى فإن قلة هم الذين انتدبوا أو اعتمَدُوا أنفسهم متحدثين بوصفهم ملمين و محيطين و متخصصين في تاريخها للخوض في كل أوجهها منذ انطلاق شرارتها الأولى إلى غاية انطفاء وهجها و في الحديث عن أساليبها و مسوغاتها و شخصياتها الروحية و أبطال معاركها و أصحاب مكاسبها و أدبائها و مدوني يومياتها و ملاحمها و إبداعاتها القيادية و التخطيطية حيث ثمة أمثلة واقعية على ذلك ذكرها المستعمر الفرنسي نفسه من خلال بعض كتبته الذين تحلوا بنزاهة فكرية مشهودة. و إذ هي هذه القلة التي استضيفت دون سواها بشكل متكرر و غير مثر عبر أثير الإذاعات و على شاشات القنوات التلفزيونية فإن رنة حديثها الذي لم يتغير قد سقط في شراك التكرار و طوقته المحدودية بكل سلبياتها و بات بذلك طرح أفرادها ناقصا و دون قدر الموضوع و عمقه بل و ظل متأرجحا بين النقيضين الشطط و المجاملة حتى كانوا يشكونهما تارة و يعتدوا تارة أخرى.
و من المعلوم بداهة أن المقاومة شأن كل الأمة و دافع إلى ترسخ سيادة الدولة و تمتين شوكتها مما يحتم أن يكون الطيف المهتم أكبر حجما و يشمل الجميع من مؤرخين و مدونين للأحداث و كتاب و أدباء حتى تتسع دائرة الإلمام و الاهتمام و تتشكل و تبرز معالم المرجعية التاريخية و تتضح و يصبح الجميع يشأنها على قدم و ساق يمجدها، يحافظ عليها و يعلمها و يغرسها بذرة فيرعاها لتثمر الوطنية و الاعتزاز بالبلد و الغيرة على وحدة أهله و سلامتهم.
و أما الاهتمام الثاني الذي ما زالت تداعياته الإعلامية تأخذ حيزها الكبير في دائرة التناول المسهب لوسائل الإعلام فقد أحدث زوبعة من ردود الأفعال المتباينة في الحدة و الموضوعية و المتنافرة في الطرح و التناول السياسي و الحقوقي المتناقض الأبعاد و المرامي في أجواء لا تكاد تخفي هياجا مكبوتا و طفحا للكيل في التناول على خلفية بقاء الجدلية و هي تراوح مكانها من الغموض و الارتجالية. و لما أن الأمر كان بهذا الحجم و بهذا التواني عن منابر الالتقاء و التقاطع و التنازلات و الوصول إلى تقديم الحلول و التفاهمات، فإن الأطراف أبانت في ذلك الحيز الضيق "أفق التناول" عن تغييبها للغة الحوار البناء من منطلق الثبات الأعمى على المواقف المتحجرة.   
إنه من الجميل حقا أن يكون الإعلام بكل وسائطه وعاء حرا و مفتوحا على كل القضايا يحتضنها و يعانق أهل الرأي فيها و لكن أجمل من ذلك أن يكون هذا الإعلام ملما بالإشكالات في العمق و مالك لوسائل التمرير المشاركة في ترجيح الحلول و التبصير بعمق القضايا و ضرورة إشراك الجميع في التناول و سبر غور التفاهمات الضرورية و الممكنة.
إن الرجوع إلى عِبر الاستقلال، و ما تمخض عن حصوله من إحساس بالوطن لم يكن يوما قائما في حيز من التراب معلوم الحدود و الحرمة و السيادة، أمر بالغ و له أهميته القصوى في دعم هذا الاستقلال و تقوية دعائمه لتقوى شوكة الوطن و يتعزز حبه لدى أهله إن كان في "عبره" من دروس ناصعة في المواطنة المدنية و عدالة و مساواة بين أبنائه في نبذ عملي للفوارق الاجتماعية التي جاءت من رحم اللادولة و عجزت عن محاربتها كل التيارات الفكرية التي وصلت إلى البلد و تقبلها على اختلافها من شكلوا طليعة و نواة النخبة المتعلمة و المثقفة و القائدة و الكادحة.
و لما يكن في هذه الخلفية الثالثة للذكرى الرابعة و العشرين لعيد الاستقلال ما قد صادف أو لامس بالقوة المطلوبة توقعات بعض التواقين إلى التحام البلد بالعصر و روحه، فإن التناول لحقبة الإستقلال ركز أكثر ما فعل على الشكليات من خلال عرض المتوفر من الصور و الأفلام الوثائقية دون الخطابات التي توطنت متن الحدث و تركت قيم بناء الدولة الحديثة و أسست لنهج المساواة و العدالة و الأخذ بالعلم و تبنى الديمقراطية.   
صحيح أن البحث في هذه المواضيع الثلاثة لذكرى تمثل أبرز مناسبات البلد يندرج ضمن تحسن المهنية في الأداء و الحس الصحفي في الإدراك المميز للاحتفال بالمناسبة. و لكن صحيح أيضا أن القيود التي ما زالت تحاصر المهنة و منها ضعف العقليات عن استيعاب العصر و متطلباته و بعدها عن التنازل عن التحجر لفائدة الانفتاح و الانخراط في منظومة ألوية العلم و الإبداع تحت مظلة الديمقراطية و دولة القانون.
و لكن لا سبيل مطلقا إلى هذه الدولة ما لم يقر الجميع، ممن تقع على عواتقهم و في عقولهم مسؤولية العمل على بنائها، بضرورة تجاوز القشور في كل مُتناول من مواضيع الاهتمامات الأولى و إلى السباحة في عكس تيارها للوصول إلى لبها في كسر شجاع للعقبات الكابحة و جرأة على تجاوزها.   
 

اعلان

صور

تقرير عن الامطار في ولاية تيرس الزمور

دعاء الشيخ الددو للمدير التجاري لسنيم

فيس بوك