الوزير الأول يحيى ولد حدمين: ضربة معلم / الولي ولد سيدي هيبه

حسنا فعل رئيس الجمهورية بأن عين وزيرا أولا من غير الذين هيأتهم بأساليبها عديد اللوبيات، السياسية "الكانتونية" في الأغلية و في المعارضة المتحايلة جميعها على الإدراك المجتمعي العام و بكيد دعاياتها "الغرضية" المربكة، حتى يقطع الطريق على مشاريعهم ذات الشعب المتباينة إلى الطموحات الضيقة في أهدافها من ناحية، و المتلاقية عند نقطة احتجاز الوطن داخل حظائر سرايا أحلامهم الخاصة من ناحية أخرى.

و حسنا فعل أن اختار رجلا غير ملطخ برواسب و أدران الفترات الماضية التي لا شك ستسيل يوما الكثير من الحبر و تفتح الباب أمام مراجعات ضرورية باتجاه دعم الحرب على الفساد و المفسدين و التي آتت بعض أكلها خلال المأمورية المنتهية. و هي الحرب الهامة و التي لا بد أن تظل هدفا متقدما و ملازما لكل مراحل تنفيذ البرنامج التنموي العام.

و لما كان الدكتور مولاي ولد محمد لغظف قد أبلى بلاء حسنا خلال قيادته للحكومة طيلة الفترة المنصرمة و هو الأمر الذي لا يختلف عليه اثنان، فإن فترته تلك قد شكلت مخبرا حقيقيا لصناعة و إرساء قواعد "الاستقرار الحكومي" إن جاز التعبير، بحيث توقفت معه فوضوية الترحال ما بين القطاعات و عبثية استبدال و تجديد الوزراء. و هو الأمر أيضا الذي كشف عن إضعاف ملموس لقوة التيارات النشطة بكل اتجاهات النفوذ القبلي و الإثني و الحقوقي و الرأسمالي، مما خلق هامشا معلوما لإضفاء المصداقية على الوزراء و قد ترك لهم حيزا محسوسا من الوقت يؤدون فيه المهام الموكلة إليهم. و لا شك بعيدا عن التأثيرات من أي نوع كانت من الاعتراف بأن هذه الحكومة و بغض النظر عن بعض الهفوات و التعثر الملحوظ في عمل بعض القطاعات و النقص المدرك في أصناف من الخدمات، قد حققت قدرا معتبرا من الانجازات الحيوية الكبيرة و أشاعت أجواء غير مسبوقة من الأمن خففت إلى حد بعيد ما كان قائما قبل ذلك من التوتر و الاحتقان.

هي إذا فترة تحسب لقيادة رجل تميز بـ"العملية" أكثر من الحضور "النظري" حتى نأى بنفسه على إثر ذلك عن المعارضة التي كادت لا تجد له ما تؤاخذه عليه اللهم في السياق العام لخطابها المعارض.

و لم تكن الظروف التي تم خلالها اختيار الدكتور ولد محمد لغظف بأقل "مخبرية" من الوقت الحالي حيث غيبت أحزاب معارضة قوية نَفسَهَا عن الحراك الجديد و أخذ النسيج السياسي شكلا مغايرا مع دخول مستجدات لها أبعاد ها في حسابات العملية السياسية  التي منها معالجة المعطى الحقوقي و تجديد الطبقة السياسية. و هي المرحلة التي تتطلب بهذا الوجه الجديد دخول رجل جديد له هو كذلك أن يشكل حكومة تلائم المرحلة الجديدة و تأخذ بمقتضياتها البلدَ إلى آفاق جديدة من التنمية العادلة في ظل تحول سياسي متحرر من القيود التقليدية و منفتح على كل القضايا الوطنية العالقة.    

 

 

مياه آكشار المعدنية الحقوق الضائعة!!

المرابط ولد محمد لخديم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

تطلق  كلمة (أفيان) في موريتانيا على المياه المعدنية  على اختلاف مصادرها وتسمياتها...

وترجع هذه التسمية الى عقود حيث وصلت الينا أول زجاجات معدنية قادمة من نبعها الأصلي فرنسا,,

وقد يجهل البعض أن كلمة (افيان) الموضوعة على الزجاجة تطلق على المدينة وليس على النبع...

مدينة إيفيان   مدينة فرنسية  تقع ضمن اقليم ساقوا العليا أحد أقاليم  رون ألب وتطل: Évian-les-Bains           على بحيرة ليمان أكبر البحيرات الأوربية. وهي علامة تجارية مسجلة ينبع من عدّة مصادر قرب إيفيان لي-بينز، على الشاطئ الجنوبي لبحيرة جنيف...التي تتقاسمها فرنسا وسويسرا مناصفة..

يعود تاريخها الحديث الى الثورة الفرنسية سنة 1789 م  لكن اكتشاف النبع فيها وتصنيع المياه قبل عام 1823 حين قرر السيد (فوكنت) تأسيس جمعية للاستفادة من النبع المفيدة جدا للصحة حيث دعا عائلة( كاشة) مالكة النبع للاستثمار في هذه التجارة التي غدت فيما بعد من أهم مصادر الثروة للمدينة...فالفضل يعود الى هذه الزجاجة لبلاستكية التي نقلت الاسم الى كل بقاع العالم تقريبا..

وهو ما وصل بدوره الى اسواقنا ومازالت العبارة شائعة في أوساط الموريتانيين  رغم  كثرة المياه المعدنية الموريتانية..وتعدد التسميات والشركات..

   بدا الاستغلال الفعلي للمياه المعدنية في موريتانيا من بحيرة بنشاب ثم بعد ذالك تكاثرت بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة تحت مسميات متعددة: طيبة... آكشار,,, آزلاك.. آوكار..المروة الأصيل ...الخ

وسنتناول في هذا المقال مياه آكشار ذالك أنها تحمل اسم شخص وليس أرض معينة كالتسميات السابقة...

فآكشار هو الأب الجامع للجعفرية وهم بطون أولاد عمني وأولاد آكشار.

فهو  أكشار بن اكمتار بن غيلان بن يحيى بن عثمان بن مغفر بن أدي بن حسان...

    واذاكانت الأراضي الموريتانية مملوكة لقبائل معينة مثل بنشاب وترجيت وغيرهم من الأراضي ذات النفع, الخاص فأولى بأولا آكشار أن تكون لهم هذه الأرض التى تحمل اسم الجد الجامع لهم والذي دفن فيها منذ قرون أي منذ دخول عرب بني حسان المغافرة الى هذه البلاد ولهم الحق في اخذ الاتاوات على الشركات التي تستغل هذا النبع بما يرونهم مناسبا..

     وتعني كلمة آكشار حسب الروايات الشائعة الرجل القوي, لكن لماذا يسمي بهذا الاسم الصنهاجي  يبدو أن ذالك عائد الى أن زمنه كان اللسان الشائع فيه  هواللهجة الصنهاجية وسمي بها..

     وبما أن التاريخ الموجود بين أيدينا تنقصه الدقة وعدم المنهجية خاصة اذا تعلق الأمر بالأنساب  فأنني أرجح دائما لسان الحال على لسان المقال..

     اذا أخذنا مثلا اللهجة الحسانية التي تمتد من أزواد الى الساقية الحمراء وهي أقرب اللهجات الى اللغة العربية وأخذنا وظيفة هؤلاء الذين امتهنوا الحرب وحمل السلاح وتكوين الامارات فان هذه المعطيات توحي أنهم عربا..

   ولهذه اللهجة خاصية مهمة حيث أنها هي التي رسخت اللغة العربية وكانت طوق أمان في مواجهة المستعمر والتنصير عند ما عجز سلاحنا غير المتكافئ. بذلك شهد شاهد من أهلها:

                                         CRISTIAN LAGREيقول المسمي(كريستان لجرى

في رسالة سرية إلى الوزير المعني في فرنسا ما خلاصته:« إن الأفارقة قلدونا في الملبس وفي كل شيء ماعدا موريتانيا التي تمثل الثقافة فيها أعلى مراقي المجد فما زالت لها مكتباتها(700 مجلد من شنقيط وحدها) ولهم قضاؤهم المستقل» ثم يقترح حلا لذالك الصمود, وهو زعزعة مكانة العالم,  والمحظرة, وتشجيع أطفال المدرسة الحديثة بإعطاء المنح وفتح الكفالات وتوفير الملابس مجانا إلى أخر الاقتراحات.....

 والخطورة تكمن في أن الثقافة التي تعنيها الرسالة تتجاوز اليوم كل المعارف بأشكالها وأنواعها, حيث أن المدلول الحديث لمادة(ثقافة) بات أوسع من ذالك بكثير..

وتدل مادة "ثقف" في اللغة على تجاوز ما هو طبيعي ومعتاد إلى ما هو أكثر استقامة وتفوقا فقد قالت العرب: ثقف الشيء ثقفا: حذقه، ويقولون ثقف الشيء: أقام المعوج منه وسواه ،وقالوا ثقف الشيء إذا كان سريع التعلم له.

ومن هذا التعريف فإن الثقافة تشمل جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعا بعينه أو فئة اجتماعية بعينها، مثل نظم القيم والتقاليد والعادات، ومثل الحقوق الأساسية إلى جانب الفنون والآداب وطرائق العيش.

لكن تاريخ اليوم لا يكتبه الأجداد، ولا يتحرك على الأرض طبقا للأماني والأقوال في مجتمع فقد فعاليته وفقد معها قدرته على قراءة الأحداث الماضية منها والجارية، فضلا عن المستقبلية وتحول إلى ظاهرة صوتية تقول ما لا تفعل، وتسمع فلا تدون، وإن هي دونت فلن تقرأ، وهذا ما فتح ثغرات أمام منظري الاستعمار الذاتي لبث مخططاتهم وهذا ما تحقق لهم على أرضية الواقع, بعد أن استعصي علبهم فترة من الزمن.

فهل تعيد شركة مياه آكشار الاعتبار لهذا الاسم الذي تحمله وتكافئه عليه أم أنه سيبقى حقا ضائعا لا يجد من يسأل عنه؟

 

 

 

 

 

 

تسجيل موقـف..(تصويب)

تنويه : لقد نشرنا في الأسبوع الماضي مقالا تحت عنوان "تسجيل موقف" حول المفاوضات الأوربية الموريتانية حول الصيد لصاحبه محمد الامجد ولد محمد وقد استبدلنا خطأ اسم كاتب المقال باسم كاتب مقال آخر لذلك نعتذر عن هذا الخطأ للكاتب الفعلي للمقال بعد أن لفت نظرنا على الخطإ وتأكدنا منه لذلك نعيد نشره بعد أن نسبناه لصاحبه.

المفاوضات الموريتانية الأوروبية بشأن الصيد

 

إن القضايا الوطنية الكبرى لها أن تحتل جزءا من قلوبنا و عقولنا، و أن تكون مرتعا خصبا لأرواحنا، و غذاء رغدا لأفكارنا و آرائنا و نقاشاتنا، و أن تستحق علينا الإشادة و الذكر و التنويه... هذا إذا كانت الوطنية تحتل جزءا و لو يسيرا في بواطننا أو على الأقل ما دمنا ندعي الانتساب لهذا البلد موريتانيا..

 

من هذا المنطلق، وجدت في نفسي اندفاعا لا متناهيا إلى الكتابة عن قضية من أعظم و أشرف و أنبل القضايا الوطنية و إلى اتخاذ موقف يتناسب طرديا مع شرفها و مكانتها و تعاظم قيمتها مرة بعد مرة.

و رغم أني ما كنت يوما من المسهبين في الكتابة حرصا على مداد قلمي أن يسيل إلى التزلف لأحد أو يفهم ذلك خطأ، إلا أنني اليوم أجد الواجب الوطني يدفعني دفعا لاتخاذ موقف يرضي ضميري تجاه قضية تستحق علي و على كل مواطن موريتاني الإشادة بها، ألا و هي نتيجة اتفاقيات الصيد المترتبة على المفاوضات الموريتانية الأوروبية منذ عام 2012 و حتى هذه الأيام.

فالشواطئ الموريتانية الأغنى عالميا بالأسماك و تنوعها ووفرتها ظلت منذ ما قبل الاستقلال و حتى منتصف عام 2012 نهبا و سلبا و فسادا لا مثيل له في العالم. و أعتقد أنه يمكننا الجزم أن اتفاقية الصيد الموقعة بتاريخ 31 يوليو 2012 في نواكشوط كانت حدا فاصلا بين صيد منهوب مسلوب في دولة كأنها لا وجود لها أو لا يشعر أبناءها بالإنتماء، و بين صيد وطني بكل ما في الكلمة من معنى له مردودية اقتصادية و سياسية و اجتماعية كبرى في دولة لها وجود حاضر و حضور موجود، و لها أبناء بررة حريصون على أن يبقى لهذا الشعب وطن يزخر بالخيرات و يفاخر بلدان العالم بأبناءه و بما أنجزوه.

إن من يقدم مصلحة الأمة على مصلحته الفردية الآنية لجدير بالتقدير و الاحترام و المودة.

فباسمي و نيابة عن وطني، أتقدم بالشكر الجزيل الذي يحمل في طياته كل التقدير و المودة و الاحترام إلى كبير المفاوضين السيد الشيخ ولد أحمد ولد بايه على نجاحه في أصعب مفاوضات عرفتها موريتانيا و أشدها تعقيدا، و من خلاله إلى رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز الذي فرض هذا التوجه و أراد لموريتانيا أن تكون بلدا شامخا و دولة ذات سيادة و ندّا لأعظم الدول و أعظم الاتحادات في العالم.

إن مفاوضات الاتحاد الأوربي مع موريتانيا هي أصعب مفاوضات فرضتها التفاهمات الإقتصادية بالنسبة لنا، و من أصعبها -على الأقل- بالنسبة لهم. فكل دولة من هذه الدول الثمانية و العشرين لها شأنها و قوتها و مكانتها،و كل دولة منها أقوى منا في العالم و ربما كان بعضها أقوى منا في بلدنا.

فمفاوضة دولة مثل موريتانيا لعملاق من حجم الإتحاد الأوربي و فرض شروطها عليه من الصعوبة بمكان ما لم تكن هناك إرادة صادقة لدى السلطات العليا و وجود شخص يتمتع بالأهلية الكاملة للتفاوض، يفيض قلبه بالوطنية و بحرصه على خيرات بلده و مصلحة شعبه. فشكرا مرة أخرى للرئيس محمد ولد عبد العزيز على اختيار الرجل المناسب في مفاوضات تتطلب من الدراية و الحنكة و المهنية و الذكاء و الاحتراف و المرونة و الصلابة و الوفاء و الوطنية الشيء الكبير.

و مما يحز في نفسي أن نرى بعض نخبنا يسعى بكل ما أوتي من قوة في محاولات يائسة إلى النيل من عظم هذه المفاوضات الجديدة و إلى النيل من القائمين عليها.

و أورد في هذه النقطة مقتطفا من حديث كبير المفاوضين الموريتانيين في مقابلة أجرتها معه أسبوعية " لاتريبين" الناطقة بالفرنسية كما أوردها بعض المواقع الألكترونية مترجمة، يقول من رد له عن أحد الأسئلة:

( نعم، إن أصحاب النوايا السيئة يحاولون دائما زعزعة من يرونه محورا لعملية يريدون نسفها، فهؤلاء يرون في شخصي قطيعة نهائية مع الممارسات السابقة، ناسين أن فريق التفاوض الذي أقوده لديه وجهة نظر فنية مدعومة بالإرادة السياسية الوطنية، و من هنا لا يهم من يقود فريقنا. فانشغالاتنا هي بخصوص حماية الثروة و إنشاء تجارة متوازنة منصفة تتلقى في الغالب دعم أكثر النخب الأوروبية لجهودنا و تفهمها لقراراتنا، ذلك أن النخبة هناك تعلم جيدا أن انهيار منطقة الصيد عندنا له انعكاسات سلبية علينا، لكنها سلبية على أوربا أيضا. إن دفاع هؤلاء النخب الأوروبية عن مصالح موريتانيا يعوض كل أعمال التخريب التي يقوم بها بعض مواطنينا داخل بلدنا.

و بالمناسبة، فإن الإرادة السياسية الحقيقية و الجادة للرئيس محمد ولد عبد العزيز مكنت موريتانيا من استجلاب مفاوضين مهنيين يستندون إلى معطيات علمية دامغة و يتم التعاطي معهم على قدم المساواة مع شركائهم الأوروبيين. الجديد هنا أساسا هو أننا نعمل من أجل المصالح العامة للبلد و دون أي تدخل من جهات سياسية للتشويش على عملية التفاوض...). انتهى الإستشهاد.

و أنا هنا – أو الآن على الأقل- لست بصدد دراسة تخصصية، أو علمية تحليلية لأن المعلومات متوفرة بما فيه الكفاية و منشورة داخليا و خارجيا. لذلك فإنني آثرت العدول عن نشر المقارنات و المعلومات و الأرقام حتى لا أنشر ما هو منشور أصلا، و تجنبا للتطويل.                                               و أعتقد أن في مقابلة "لاتريبين" مع كبير المفاوضين ما فيه الكفاية من الإحصائيات و المقارنات و الأرقام، و كذلك في رده العلمي على مقال نشره أحد "النخب الموريتانية".

و أرى أنه من الإنصاف أن يحذو حذوي بعض نخبنا المعتدلين ذوي الأقلام النظيفة و الأفكار الطاهرة في تسجيل مواقفهم من هذه القضية و مثيلاتها من القضايا الوطنية الكبرى.

إذن فأنا هنا بصدد تسجيل موقفي من قضية جدّ فيها جديد.

جديد له ما يوازيه و له ما بعده.

جديد يحرك الشعور الوطني في باطن من يشعر بالإنتماء ليسعى إلى إرضاء الضمير و لو بأقل قليل: (تسجيل موقف)

محمد الأمجد ولد محمد

أثر غياب الديمقراطية الاجتماعية في العمل السياسي المحلي / الولي ولد سيدي هيبه

صحيح أن الاستعمار الفرنسي هو من هيأ أذهان الموريتانيين المشتتة بين الانتجاع و سطوة النفوذ باتجاهيه العسكري السلطوي و المعرفي العقدي. كما وجه عمدا هذا  الاهتمام بالسياسة إلى حيز الحكم  غاية أولى و هدفا أوحد يأتي من بعده تسيير البلاد و العباد في دائرة المزاج و التصورات الفردية أو هي إن توسعت شملت بطانة بذاتها و تشعباتها. و إن للمستعمر الفرنسي - القادم يومها من قارته التي خرجت منذ قرون خلت من أسر العقول الراكدة و الأراضي المظلمة و الغابات الكثيفة و الفيافي الموحشة و الآفاق الضيقة – يمتلك من التوازن النفسي و من وسائل الإغراء المادية ما يسهل مهمة احتواء الغرباء المتخلفين و يمكن من تهذيب سلوكهم المضطرب حتى تقريبهم إلى روح المدنية و الحداثة مع الحفاظ على ضمان تبعيتهم في طويل الأزمان و الآباد. و بالفعل فقد تأسست أحزاب حملت، في الظاهر و المعلن و في فحوى الخطاب و الفلسفة توجهات لتبرير الحضور تراوحت بين تيارات الفكر:

·        القومي في الحيز الجغرافي المحدود،

·        و القومي الأرحب مساحة و أبعد آفاقا،

·        و النهضوي الحداثي في الشكل محاكاة للغرب،

·        و المساير للطرح الاستعماري قلبا و قالبا.

و لم يكن لكل هذه التوجهات التي خرجت فجأة بدون سابق قناعات أو تمهيد و عارية من أي ثوابت  أو أبعاد أو منطلقات باستثناء ما يكون من إشارات خافتة و بعيدة تصل باهتة من تخوم الخلفيات الفطرية القابعة في الأعماق، إلا أن هيأت لتقييد الإرادات و استبعاد إمكانية تشكل أي وعي مستقبلي - و ذاك قصد الاستعمار في المدى البعيد - يرسو بذاته على ثوابت و مبادئ و قيم لو أنها وجدت قد تصقل مع ترسيخها قناعات ثابتة و تضع على السكة مشروع الدولة المكتملة و المتكاملة الأركان و القوية البنيان.

حقائق لم يتسن إدراكها للمنهمكين و المتعاطين بنهم، في تلك الحقبة التي غيرت ناموس التعامل و التعاطي مع مجريات الحياة، مع السياسة و الناطقين في خضمها باسم شعب لم يكن يمتلك يومها وسائل التزكية لأي كان أو بالأحرى تفويضه للعمل نيابة عنه في هذا المضمار الذي ينشد التشاور بين جميع الأطراف و الإجماع على القواسم المشتركة في حلقة مترابطة الأوصال.  

و كان الاستقلال قد جاء في بداية الستينيات خالي الوفاض إلا من خشبة مسرح تمكن من القيام باستبدال شكل الفوضى التي كانت سائدة بأخرى أكثر هدوء و نضجا و أقوم قيلا، فتلاشت و بفعل الاستعمار مرة أخرى كل تلك الأحزاب و كأنها لم تكن في يوم واقعا معيشا ليتربع منفردا حزب الشعب الموريتاني على عرش الحضور و العمل السياسيين.

إنها فترة الخمسينات و الستينات التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية في العام 1945 حيث كان الاتحاد السوفييتي، بفأسه و منجله المطبوعين على خلفية حمراء، من صناع الانتصار فيها على النازية الألمانية و الفاشية الإيطالية و اليابانية تحت راية تعبق بالفكر الشيوعي البولشفي اللينيني المركسي الذي أسس للديمقراطية الاجتماعية أو الديمقراطية الشعبية.  و جدير بالذكر أن هذه الديمقراطية التي وصلت إلينا رياحها بعيد الاستقلال مع الطلائع الأولى لحركات التمرد على الجمود و الظلامية و ظلم الإقطاعية و سلطة الأقوى، تقوم على العمل من أجل رفع مستوى المواطنين من الناحية المادية، أي تحقيق المساواة في الثروة بين أفراد المجتمع ، في حين أن الديمقراطية التقليدية السائدة في الغرب و التي استنسخت منها أحزابنا ترمي فقط إلى تحقق المساواة السياسية بين الأفراد لشأن قيادة البلد .

و لما لم يكن الحزب الواحد قد استطاع أن يُسكِت هذا الدخيل على أجندته الرامية إلى الاستمرار بقيادة البلد دون منازع، فإن دخول الحركات القومية الضيقة و الإسلامية الخارجة هي الأخرى على النمط ألمعتقدي السائد على الخط، و سنوات الجفاف الماحقة و حرب الصحراء الضروس، و الانقلابات العسكرية المتكررة، فقد نفذ الفكر الشيوعي بما مثله من ثورة غير مسبوقة على كل أنماط الأحكام و القيود التي كانت تكبل العديد من الشعوب ليؤثر تأثيرا بالغا في العقول و النفوس بما يطالب به من قسطاس بين الأفراد و الشعوب في إطار عدالة اجتماعية تلغي الأنظمة الطبقية و تكرس مبدأ المساواة و الندية في الحقوق و الواجبات. و هو التأثير البالغ الذي غير خارطة تعاطي فئات المجتمع مع بعضها حتى برزت حركات تحررية ضد النظام الطبقي الجائر الذي لم يغير الاستعمار الفرنسي كثيرا في جوهره.

و رغم نبذ الرأسمالية لهذه الديمقراطية الاجتماعية التي قطعت الطريق منذ ظهورها على المحتكرين للثروات و النفوذ و الجاه و السلطة، إلا أن الديمقراطيات السياسية المتبعة في الدول المطبقة لها بدأت بعد التقدم الصناعي والتطور الاجتماعي تنهج اتجاهاً اجتماعياً مقتبسة منها، حيث نصّت دساتير هذه الدول الحديثة، ومنها فرنسا، على العديد من الحقوق الاجتماعية للأفراد، ككفالة العمل في الدولة، ومدة العمل،  وشروطه، في ضوء صحة العامل ومستواه الاجتماعي، ونصت على أجر العامل، وأنه يجب أن تكفل له معيشة محددة لا تنـزل عن حد أدنى معين، وكذلك كفالة حق الانضمام للنقابات، وحق التعليم والثقافة بمختلف أنواعها، وتمكينهم من ذلك بجعل التعليم مجاناً، وخلاصة القول إن دول الديمقراطيات التقليدية اتجهت أخيراً إلى تضمين دساتيرها نصوصاً كثيرة تتمثل فيها مظاهر الديمقراطية الاجتماعية. و هي لم تفعل إلا بعد أن تبينت وجوب أن تكون الديمقراطية نابعة من المجتمع و مستندة إلى  متطلباته و اشتراطاته. و بذلك فإن البرامج السياسية في الديمقراطيات التقليدية لم تصمد بعد اندثار الشيوعية بسبب شططها و تجاوزها للجوانب الروحية عند الإنسان و ما انبنى عليها من القيم الأخلاقية و التوازنات النفسية، إلا لأنها لم تترد في دمج كل الخطوط و القيم السياسية ذات الوقع الاجتماعي و النفع الارتدادي و التي شكلت ذات يوم وجه الديمقراطية الاجتماعية.

و مما لا شك فيه أن ما تعانيه أحزابنا، من انسداد الرؤيا السياسية الثاقبة وضعف في الخطاب الموجه و البرنامج العملي و ضبابية في الفلسفة المصاحبة، يعود بالأساس إلى جملة من العوامل التي من أهمها غياب تلك التوجهات المرتبطة في كل أوجهها بالديمقراطية الاجتماعية التي صححت مسار التعاطي السياسي منذ ظهورها و أعادت تشكل مرتكزات الديمقراطية السياسية و نظرتها ثم آلياتها إلى الحكم و سياسته من جميع الجوانب.

و لو أنه خلال منتصف العقد الأول من عهد الاستقلال في بداية الستينات و حقبة السبعينات من القرن المنصرم عاشت موريتانيا في ظل الحزب الواحد إلا أنه وجد منافسة شديدة من تيار حركة "الكادحين" المحظورة ذات النزعة الشيوعية المحضة التي استطاعت أن تفتح الباب أمام نظرة جديدة إلى السياسة تولدت أمام الشعب المغيب و أشركت قواعده العريضة في الاهتمام بمقاصدها و لعب أدوار محورية فيها. و لو لم  تكن الشيوعية في بعض أطروحاتها الجريئة و ذات النزعة المادية المطلقة قد تجاسرت على الأديان و المعتقدات و التي جزمت بأنها عدوة لعقل الإنسان و تقيده من منظورها عن تحقيق كل أحلامه، لكانت اليوم مكونا رئيسا لكل أشكال الديمقراطيات و لظلت مساهما أساسيا في نضالات الإنسان من أجل الانعتاق والتقدم. و لكن جرت رياح توازن الإنسان بين المادي و الروحي بما لم تشته سفن الشيوعية و تجردها المطلق الذي آل بها إلى التقهقر و الفشل رغم الإرث المتميز الذي تركته من الدعائم و القيم السياسية حيث أصبحت جزء لا يتجزأ من المنظومة الديمقراطية العالمية.  و لا سبيل مذ دخلت هذه القيم و شكلت منطلقات للعمل من أجل العدالة و الحرية و الحوار و البناء، لحضور أي حزب أو حراك سياسي و تأثيره ميدانيا في حكم البلد و تسيير شؤونه إلا بالانخراط في منظومة الديمقراطية الاجتماعية التي تمس بنتائجها العملية عموم الشعب و تلامس طموحاته.

 

 

 

النخب بين ضعف العطاء و غياب الاعتبار/الولي ولد سيدي هيبه

في عصر الكاز يطلب شاعر *** ثوبا.. و ترفل بالحرير قحاب (نزار قباني)

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله *** و أخو الجهالة في الشقاء منعم (المتنبي)

في الوقت الذي تتمتع فيه الطبقة المتعلمة و المثقفة في كل أنحاء عالم بالمقام المعنوي الذي يناسب محورية دورها في صياغة شخصية الكيان الأدبية و التاريخية و الروحية والسياسية و بالمستوى المادي اللائق بها  للحفاظ على ديمومة أدائها وعطائها في أبهى الصور و أقواها، و هي تقدمه بإخلاص و في تفان و إتقان و إيمان ببلدانها و شعوبها.. فإنها هنا في هذه البلاد ـ أرض المنارة و الرباط كما يحلو للبعض تسميتها و مربد المليون شاعر عند آخرين و همزة الوصل و هو تعريف له كذلك إيحاءاته و مدلولاته - في الوقت الذي تخلت فيه فرنسا، على سبيل المثال و تقريبا للأذهان التحول الحاصل في مدارك العقول العصرية، عن تسمية باريس "مدينة الأنوار" لما أصبح حولها في العالم من المدن الأكثر إشعاعا و أسطع أنوارا، لا يكاد ذكرها "شنقيط" أيضا فخرا و تمثيلا يتجاوز أروقة نفوس أصحابها و دوائر حوزتهم الانتمائية الضيقة القبلية و الاثنية غالبا و الجهوية نادرا دون أن يكون لذلك مطلقا رجعٌ من الألق على نسيج البلد و صبغةٌ حضارية على عموم محيطه و قوة تدعم رفعته. و هو الأمر الذي يضيء جوانب هامة مما هو حاصل من اختلال موازين الاعتبار و الأولويات في سياق معركة الرقي الفكري و التحضر في دائرة المدنية الحديثة بما تكفله من النماء و التقدم... معركة حامية الوطيس لا تمهل غير المسلحين فيها بالهمة العالية و القادرين بجدارة و عزم و حزم و شدة على وضع مخططات رصينة للأولويات والمتمتعين بطول نفس و صرامة لمتابعة تنفيذها.

    

أكثرُ عُدمًا و أقل حيلة من شاعر و كاتب و ناقد في هذا البلد، لم تراه قط عين... و لم تلد النساءُ أقل حظا و اعتبارا و أبعد تبوءً لكراسي سامية أو تقلد لمناصب متقدمة في هرم التسيير و قواعد التوجيه في الحكم من جامعيين مستوفين مقامات العلوم العصرية التي ضلعوا في اقتنائها و تحصيلها و من فقهاء و مجتهدين و مجددين و مبتكرين و مخترعين و منظرين في شتى دروب المعارف العلمية و التوجيهية و التأطيرية في دائرة التوازنات العقائدية و النفسية و الخلقية و الإنشائية... و الأكثر غرابة هو ما يتنعم به من حولهم و يرفل في خمائل حريره السماسرة و المرجفون و الوصوليون و باعة الرياء و الخواء المعرفي و الروحي من ريع الدولة المادي و مقدراتها الاقتصادية و تسهيلاتها في دائرة تسيير كل مُدخلاتها و مُخرجاتها لصالح سوء منقلب أخلاقي و تدهور قيمي للأسبقية المعرفية ما لم تعد تخطئه عين و واقع الحال مدوي الصرخة يقول على لسان نزار قباني :

في عصر الكاز يطلب شاعر    ثوبا.. و ترفل بالحرير قحاب

إنها وضعية لا يضاهيها في غرابتها و تفردها سوى ما يبدو عليه كل هؤلاء المغلوبين على أمرهم من علامات الرضى المشبوه عن هذا الواقع المر المتسم بقلة الحيلة و ضعف الوضعية المادية، اللائقة على الأقل بالمظهر و في شكل الحضور، و دون إظهار أية علامة من علامات التململ أو الاستياء تؤشر على نية أو عزم مبيت للسعي إلى قلب الأمور باتجاه الوضعية الطبيعية و الحالة الصحية الاعتيادية المفتقدة و كأن لسان حال الشاعر المتنبي و حكمة بيت قصيده في مثل حالهم قد أبانا و وقعا على وضعية البؤس التي ينعمون فيها منتشين بخمرة عقدة الاستعلائية الملازمة لضعفهٍم و بمنتهى سعادة الخب مُحيٍين، مُفعمين بعفن اختلال الموازين و لا يشعرون، غيابَ معنى الحياة من حولهم، كما يقع الحافر على الحافر؛ بيت شعر ناطق كذلك بمرارتهم التي أدمنوا و كأنه وصف لحالهم  دون

الذين قيل فيهم قبلهم :

 

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله    و أخو الجهالة في الشقاء منعم (المتنبي)

 

و إنه مما لا شك فيه أن هذه الوضعية باتت تدعو إلى تمام الريبة في أن هؤلاء المتفردين في المجتمع،

 بالمعارف و الآداب التي حصلوها و بالمواهب التي تطورت لديهم و صقلوها، لا يزالون يتميزون في تناقض محير بأقل قدر من بيان المنطق  و سحر فاعليته الذي كان حريا به أن يجعلهم يدركون أنهم عصارة المجتمع ونبضه و رايته و نبراسه الذي يستضيء به وسط بؤر الوجود المظلمة و أن يستلهموا معاني النخبة المثقفة و الواعية لأنها في أي مجتمع، هي المجموعة المشتغلة بالثقافة والعلم، والحاملة للمشاريع الفكرية والمعرفية لذلك المجتمع، بوصفها النواة والعقل المفكر لذلك المجتمع، و أنها عادة ما تكون المسؤولة عن التخطيط للمستقبل واستشرافه، من خلال وضع الإستراتيجيات المناسبة لضمان تطوره، وخلق الوعي بين أفراده، بما ينبغي القيام به من أجل التحكم في مصائرهم من خلال الانخراط السليم في المشاريع المجتمعية، باعتبار النخبة المثقفة هي حاملة المشاريع الحضارية للشعوب والأمم، لما تملكه من تصور وفهم للواقع الاجتماعي الذي تعيش فيه، ورؤية عميقة للعالم .

 

و لما لم يكن الأمر كذلك فإن واقع البلد يشهد في بعديه الحضاري و الإنساني من ناحية و التقدمي و العصري من جهة أخرى انحسارا خطيرا و ارتماء عشوائيا في غياهب جب مجاهيل غَدٍ الله وحده أعلمُ بما تنطوي عليه من مخاطر الضياع و سوء المنقلب قبل الزوال.

و في انتظار أن يصل الأمر إلى ذلك الحد فإن معالم البلد تتآكل بفعل عوامل التعرية من قيم الدولة العملية و انتشار طبقات جديدة قديمة من مستنزفي الخيرات الذين لا يحملون الوطن في قلوبهم بل في جيوبهم لا مبالين بعواقب هذا الاستنزاف يدفعهم إلى ذلك غياب وازعي الدين و الوطنية و يحرضهم اثنان أولهما "و أن ليس لك إلا اللحظة التي أنت فيها" و ثانيهما "أنا و من بعدي الطوفان".

 

فهل تستفيق النخبة من طول سكرها و تعي ذلك الواقع الذي غيبها قبل فوات الأوان فتمهد بالحس التنويري الدفين الرابض بداخلها لمسار جديد تسلكه الأمة على هديها إلى بر الأمان و تشكل منطلقا لوعي جديد، إن لم تفلح سريعا في بعثه من رماد ما أحرقوا من المبادئ و القيم و محصلات العلم التي تراكمت عندهم طيلة عقود من أعمارهم، أفراد نخبة منكسرة الجناح، خائرة العزائم، استعلائية بغير ما هندام و أدعائية في غير ما عطاء، جعلوا كل ذلك هباء منثورا ثم غلبت عليهم مساوئ النرجسية السلبية و رواسب من إملاءات الماضي و اعتباراته الضيقة، فلا سبيل عندئذ إلا إلى التحسب لمرحلة من الانتكاس الذين هم أول من سيصطلي بنارها و يصبح دون أدنى شك و بالنتيجة الحتمية أيضا أولى ضحاياها لأنه، عود على بدء، هو من أوجدها.

 

 

قبعتي للمقاومة ... ثم تحية لأهل قطاع غزة

محمد محفوظ المختار

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

رفعت الأقلام وجفت الصحف منذ بدء الجريمة الإنسانية والعسكرية والأخلاقية على قطاع غزة الصامد.. حتى اللحظة لم نشاهد مقالا ولم نسمع حسيسا لأي  كاتب ملفق أو خطيب مفوه في الساحة العربية بشكل عام – رغم وجود ما يسمى الاستثناء الذي يؤكد القاعدة -  وكأن ما يجري في قطاع غزة مجرد سحابة صيف ريثما تنقشع.. أو كأنهم يتمثلون قوله تعالى {شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا} .. بل على العكس شاهدنا حالات من التحريض والاصطفاف الفج إلى جانب الصهاينة.

حتى أكون حالة نشاز أو أكون في خانة الاستثناء أو إلى جانب القوى المقاومة في القطاع، أردت أن أعبر عن مكنونات نفسي اتجاه ما يجري هناك على أرض غزة الصامدة. مستنكرا في بداية الأمر التآمر العربي الذي كان وقعه على الشعب الفلسطيني أكثر مرارة وأقوى أثرا من الصواريخ والقذائف الصهيونية مجسدا قول القائل:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ***  على المرء من وقع الحسام المهند

أريد أن أدين حالة التآمر لبعض الدول العربية مع الكيان الصهيوني الذي بلغ درجات متقدمة من التنسيق جعلته يدخل حيز الفعل المضاد ضد حركات المقاومة في قطاع غزة الصامد وكأنها العدو الأول والأخطر في المنطقة.. كما لا يفوتني أن أسجل إدانتي وبأقوى العبارات لحالة الصمت لبعض الدول العربية الأخرى والذي يضفي مشروعية على المجازر والانتهاكات الصهيونية بحق أهل القطاع الصامد مما يرسخ حقيقة مفادها  أن مشروعية الصمت لا تقل خطورة ولا بشاعة عن مشروعية التأمر الفعلي..

أدرت أن أسجل استنكاري لهذه الممارسات العربية المذلة والمخجلة التي تلحق العار بكل من عزف عن إدانتها واستنكارها  أحرى أن يسايرها أو يدور في فلكها .. أردت أن أسجل عمق المأساة  الذاتية التي أعيشها في موريتانيا وأنا أرى رئيس الدولة محمد و لد عبد العزيز ينعي شهداء مجزرة حي الشجاعية دون أن يدين – بأبسط عبارة-  الاعتداء الصهيوني الغاشم على قطاع غزة ..

حتى لا أدور في فلك المتواطئين بالفعل أو المتآمرين بالصمت أود أن أرفع قبعتي إجلالا وإكبارا للمقاومة الفلسطينية وهي تضع بنفسها خطوطا عريضة لمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي خطته هذه الأيام في أرض الإباء غزة الصمود والمقاومة في حالة من الاحتضان الشعبي عز نظيرها وقل مثيلها.

ختاما أريد أن أعبر عن مدى فخري واعتزازي الممزوج بكثير من النشوة بعد الهزائم المتلاحقة التي ألحقتها المقاومة الفلسطينية بالحلف العربي الصهيوني .. أريد أن أسجل مدى الإعجاب بالمعجزة الملحمية التي تفرضها المقاومة الفلسطينية واقعا سياسيا جديدا يجب النظر كأمر واقع ولا يمكن تجاوزه بحال من الأحوال.. أريد أن أشد على أيدي المقاومة وهي تحتفظ بورقة ضغط قوية تحمل الرقم 6092065 تلك الورقة التي ستكون أكثر تأثيرا وأقوى وقعا في قادم الأيام.

معالم فكر جديد بين فتك القنبلة وتأثير الصورة!!

المرابط ولد محمد لخديم

E- mail; عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  منذ اليوم الأول الذي بدأت فيه دماء الجرح الفلسطيني في سيلانها, والكتاب يكتبون ويؤلفون, والخطباء يخطبون ويزمجرون, والقادة يتداعون ويتناقشون, ويتجادلون وينفضون. فألقيت آلاف المحاضرات, والقصائد والخطب, وحبرت عشرات الآلاف من المقالات , والكلمات , وعقدت مئات الاجتماعات ثم تلتها البيانات والتوصيات,وكل هذا من أجل القضية التي باعها البعض وجلس البعض الآخر على أريكته متفرجا ينتظر المساومة ..

    إن صور الحرب الثالثة على غزة التي عرضتها شاشات العالم وما نشاهده اليوم من هجوم همجي كفيل بفهم عقلية الإسرائيلي المتمثلة في عقيدة  (أرض الميعاد), والتي عاد اليهود في زماننا لإحيائها في نفوس شبابهم, فأصبحوا بفضل هذه العقيدة يقاتلون فوق أرض فلسطين بروح لا يقاتلون بمثلها في أي جزء من العالم, ويستميتون في الدفاع عما احتلوه من أرضها.

   وعلى النقيض من هذه الحالة يبرز واقع أمتنا المر, امتنا الضعيفة المتفرقة المتشتتة, أمتنا المسلولة, التي تعاورتها الأدواء, وتعاونت عليها العلل, وانصبت عليها سيول قاذورات الحضارة الغربية, وطغى عليها طوفان الشهوات والملاهي, وهجم على عقول أبنائها خليط عجيب من العقائد والأفكار والآراء, وتعاونت كل هذه الأمراض على الأمة, فأذهبت رجولتها, وأفقدتها كرامتها, وأذلتها في العالمين, وكادت أن تزهق روحها)

    وسيول قاذورات الغرب هذه تظهر في الخطة اللئيمة المحكمة, التي شعر مهندسوها أن دعوة المسلم إلى الكفر تلقى نفورا في المجتمع الإسلامي, ويكاد يكون من المحال إحراز تقدم فيه بإعتناق هذه الدعوة, ولذا ينبغي أن تكون الخطة_ أولا_ تجريد شخص المسلم من الالتزام بالتكاليف, وتحطيم قيم الدين الأساسية في نفسه بدعوى العلمية والتقدم والحرية..

دون المساس بقضية الإلهية مؤقتا, لأنها ذات حساسية خاصة, وبمرور الزمن, ومع الف المسلم لهذا التجريد يسهل في نهاية الأمر تحطيم فكرة الإلهية في عقله ووجدانه _ وإذا بقيت افتراضا, فلا ضرر منها, ولا خطر, لأنها حينئذ لن تكون سوى بقايا دين, كان موجود ذات يوم بعيد.

   وهكذا يحكم أعداء الإسلام مخططاتهم, ويديرون لتدمير الدين ومبادئه, ابتداء من ابسط السنن والواجبات وانتهاء إلى قضية القضايا: وجود لله ذاته.

والغرب وعلى رئسه أمريكا هو الذي أوجد إسرائيل بدليل اندفاع هذه الدول وتأيدها ألا محدود لهم وخاصة أمريكا نتيجة لسيطرة اليهود على سياستها, وبدافع من أحقادها نحو المسلمين ورغبتها في إذلالهم.

    وحدث أن وجد في العالم العربي والإسلامي امتدادا لهذا الفكر من بني جلدتنا من ينظر إلى تراثنا نظرة ازدراء, وقد أفرغ جهده في نقد التراث, وتسفيه السلف.. ولم نجد أن ذالك صنع منهم عباقرة ولا مخترعين, وإنما وجدنا من أكثرهم أنانية منفردة, وأخلاقية عمل ضعيفة, ونزوعا إلى الاحتيال, والوصول إلى المنافع الخاصة من أي باب, ومن أقصر طريق.. متخذين من حرية التعبير عنوانا براقا يتسترون ورائه, وحرية الرأي هذه تنكمش وتذوب عند مناقشة قضايا جليلة لها خطرها في اليوم والغد, وتتسع وتتماع  عندما تكون غطاء لنيل من الإسلام والمساس بقدسيته. وهذا ما يظهر خطورة الغزو الداخلي بالمقارنة مع الغزو الخارجي حيث أن هذا الأخير نوع تقليدي يتم من أطراف فاعلين من خارج المجتمع المغزو ، وهو غير خطير ـ نسبيا لأنه مكشوف وظاهر(لغير العميان).

   أما الغزو الداخلي فإنه غزو ذاتي وهو مضمون النتائج وسليم العواقب. والغزو الخارجي تستطيع محاربته لأنه مكشوف وتحاكمه لأنه معروف، أما الغزو الذاتي فكيف تحاربه وأين تحاكمه، ومن يحاكم من؟ فالمفعول هو الفاعل والخصم قد يكون هو الحكم في نظر القانون!!

    وفي هذه الفترات السوداء، البارقة في سوادها تنتفض هذه الأمة إذا امتست مقدساتها كما فعلت في حادثة الرسوم المسيئة لنبيها صلى الله عليه وسلم..

ولكنها فترات لا تطول. فحوافر العيش تعود فتحفز ويشتد حفزها، والحياة تعود تهتف بحاجاتها ويشتد هتافها، والإنسان منا يلبى جبرا لا اختيارا، ويتركز على يومه، وينسى أمسه الذي كان، وينسى يومه الذي سوف يكون، إلا من حيث ما يطعم، ويلبس، ويلد، ومن حيث ينعم أو يشقى بالحياة..

    ثم تأتى (محرقة غزة) موثقة بالصوت والصورة كل أشكال الموت لتعيد تمثيل المحرقة النازية (الهولكوست) التي أصبحت عقيدة في عرف الغرب. بفضل وسيطرة وسائل الإعلام

والآن يعيش العالم تداعيات مجزرة غزة الثانية لتضفي بعد جديد اقليمى وعالمي لقضية غزة...

    وإسرائيل تعرف جيدا أن العالم تعاطف معها لسبب هذه المحرقة المزعومة. وقد كان أساس هذه الرسالة هو الإعلام المسموع والمرئي والمكتوب وقد أبدع في إخراجها للعالم مؤلفون مبدعون ومثقفون محنكون. حتى ليحس المرء بعد مطالعته لقصة أو مشاهدته لفيلم عن هذه المحرقة بحاجة إلى أن ينزوي نفسيا من هول ما شاهد وطالع. كان ذالك قبل (محرقة غزة) التي جسدت كل تلك المشاهد وزادت عليها مع الفارق بين الزمنين, وان كنا لم نشاهد صور المحرقة الأولى, فإننا شهود على المحرقة الثانية والثالثة والتي نشاهد فيها صور تقشعر لها الأبدان وتموت لها القلوب كمدا, من هول الموقف فمثلا: أطفال مقطعة الرؤوس, وأشلاء لنساء, وعائلات بالعشرات نسفت, ومباني هدمت, ومساجد خربت, وكأننا أمام زلزال من صنع البشر, وسط صراخ: الأطفال والنساء والشيوخ وبين تلك الأصوات الصارخة في معركة غير متكافئة، يحس الإنسان منا ضميره الإنساني و هو يشاهد تلك الصور المقززة, يسأله ألهذا الحد وصل بطش الإنسان بأخيه الإنسان؟!  في عالم يدعى الحرية وحقوق الإنسان!!

      ويأخذ ينعم النظر محدقا ببصره، وهو إذ يملأ بالذي يراه عينا، يملأ به فكرا، ويملأ به قلبا. وان لم يكن موجودا في  أرض المعركة بجسمه, فانه يعيشها من موقعه عاطفة وعقلا. فعلى سبيل المثال وبلغت صدمة تأثير هذه الصور في بلدي موريتانيا( بلاد شنقيط) إلى درجة أن أحد أبنائها  أخذ ما تيسر له من عبوات  حارقة, ورماها على السفارة الاسرائلية بنواكشوط، آنذاك, ليحمل بعد ذالك إلى مستشفى الأعصاب والأمراض العقلية .

    كان ذالك قبل تسلم الرئيس الحالي للحكم والذي طهر مشكورا هذه البلاد من السفارة  الاسرائلية بواسطة الجرافات ثم رش المكان الذي كان مخصص لها بالماء حسب شهود عيان..وسط مشهد غير مسبوق في تاريخ البلد وهو لإجراء الوحيد الذي حظي بالإجماع من كل أطياف المجتمع الموريتاني..لتعود بلاد شنقيط كما كانت نظيفة..

    وبعد هذا الإجراء عادت كما كانت عبارات الشجب والكراهية للصهاينة وأمريكا ومن والاهم تطفو على السطح, بعد أن كادت أن تختفي في العقد الماضي في ما يسمى ب أوهام(السلام) ومما يثلج الصدور أن هذه العبارات, تأتى من أكثر المدافعين عن التقارب مع إسرائيل, من المحيط إلى الخليج وحتى من الدول الغربية الحاضنة لها...

     ناهيك عن الأدعية في المساجد وجمع التبرعات على مدار الساعة في رمضان وبالذات في العشر الأواخر الذي تستجاب فيها الدعوات...

       وإذا كانت إسرائيل هي المقصود بدعاء عليها بوصفها العدو التقليدي للإسلام وللمسلمين, إلا أنه من اللافت للنظر دخول أمريكا ومن والاها على الخط. وليس مستغربا هذا الموقف النبيل اتجاه إمبراطورية انهارت أخلاقيا بسبب إسرائيل وهاهي على شفا تدهورها ماديا بما كسبت يديها.

      وستبقى غزة العزة تكتب بدمائها على أرضها تساؤلات: كم يكفى من هذه الدماء لإيقاظ أمة متفرقة, ضعيفة ذليلة,غثاء كغثاء السيل, كرهت الموت, واستطابت الحياة, وزهدت في كل مجد, وتجمعت عليها كل عوامل الضعف والتفسخ؟ وأين هو الضمير الإنساني؟ وأين تلك الوجوه التي ملئت الشاشات بتجريم بعض الرؤساء أحيانا؟ أين أوكامبو؟ وأين مجلس حقوق الإنسان؟ و مجلس جرائم الحرب ؟ ألا يحق لنا بعد هذا كله أن نتصرف في كل ما يقدم لنا من الغرب؟, ونردد ما قاله رئيس الوزراء التركي أردكان بأن إسرائيل لا تطبق قرارات مجلس الأمن وهذا مايتيح لدول أخرى الشيء نفسه بما فيها دولته تركيا.  وهو الكلام الذي لم يتجرأ على قوله أي زعيم عربي...

    والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا يتمادى هذا الكيان الصهيوني في تحديه للعالم؟!  وعلى ماذا يعتمد في تحديه المستمر للقانون الدولي؟ 

    إذا رجعنا قليلا إلى الوراء فإننا نجد أن أمريكا كانت وما تزال هي الحامية لإسرائيل ولن يفاجئنا امتناعها المتكرر عن إدانتها لهذا الكيان الدموي في مجلس الأمن  والسكوت المطبق لمجلس الأمن وهو يشاهد نهارا جهارا هذا الكم الهائل من المدنيين من الأطفال والنساء والشيوخ الأخيرة فالتاريخ يعيد نفسه فما أشبه الليلة بالبارحة  فقرار مجلس الأمن سنة 1969م المشهور بقرار روجرس وزير الخارجية الأمريكي آنذاك, خير مثال على هذا الكلام,  وفي ذالك يقول شاعرنا الكبير أحمد ولد عبد القادر في قصيدته الرائعة:

حكم العنف أيها الإنسان              إنما السلم خدعة وهوان

مجلس الأمن خدعة والآما          ني حول جدواه هدها الخسران

أرضه غابة النمور وليس           العدل في مسرح السباع يصان

وهو نوع من التماثيل يهذى          بالأساطير روجها الشيطان.

             

     لقد تناسى الغرب والعرب المتواطئين معه بقصد أو غير قصد ما بات يعرف بالسماء المفتوحة والقرية الكونية حيث إن أهم تحول عرفته نهاية القرن العشرين هو الانتقال مما أسماه (توفلر) بالموجبة الحضرية الثانية التي بدأت مع نهاية القرن السابع عشر الذي كان مصدر الثروة والنفوذ فيها هو رأس المال والإنتاج الصناعي إلى الموجة الحضارية الثالثة التي تمثل فيها المعرفة (إعلام ، معلومات ، تقنية رقمية) المصدر الأساسي للقوة والهيمنة.

     لقد عجل ظهور مجتمع الإعلام والمعرفة بحدوث تطورات هائلة على صعيد إنتاج وتداول وتخزين ومعالجة المعلومات والاستفادة منها في مدة زمنية قياسية. " إن تزايد نفوذ الإعلام المقروء والمسموع والمرئي يشكل عاملا مساعدا لذيوع الحدث وأن الإعلام المرئي يلعب دورا بالغ التأثير في تبليغ الرسالة الإعلامية إلى العالم أجمع".

     فالصور الناطقة للدماء التي سكبت على البحر والأرض التي ترتبط بأهلها ارتباطا عضويا, أنجزت ما لم تنجزه العرب مجتمعة. حيث نقلت(القضية الفلسطينية) إلى الرأي العالمي وبينت على مرأى ومسمع من الجميع العدو والمتواطئ, والعاجز والمتخاذل...

    وهذا ما كان ليحصل لو لم يتمكن أبطال هذه الأمة المخلصين من امتلاك تقنيات الإعلام بعد أن تكسرت احتكارات المعرفة, في عصر المعلومات ووضع الجميع أمام فرص متكافئة على عتبة سباق , تشمل على الغنى والفقير والقوى والضعيف.  

    مبينين بعدساتهم الجريئة وتحليلاتهم المهنية سخافة الديمقراطية والعالم الحر التي يتباهى بها الغرب, واتخاذه الإرهاب مطية وعنوانا براقا يتستر ورائه. والغريب في الأمر أن مقولة الإرهاب هذه تنكمش وتذوب عند مناقشة قضايا تتعلق بإسرائيل, وتتسع وتتماع عندما تكون غطاء للنيل من الدول والأشخاص التي آثرت كرامتها على أن تكون ببغاوات له ولنهجه..

وهذا السلاح سيمكننا من تصحيح المعادلة الصعبة التي أرقت أكثرية رؤساء أمريكا,     

     بعدما توفرت مكاسب دموية جديدة على مرأى ومسمع من العالم, والتاريخ يشهد أن الأراضي المحتلة عمرها لم تتحرر إلا بالدم. ولعل الدول ذات الخلفية الاستعمارية أدرى بهذه القضايا من غيرها يقول الشاعر:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى         حتى يراق على جوانبه الدم.  

فالشواهد الناطقة للأشلاء التي تقطعت, والدماء الزكية التي سكبت,والمنازل التي دمرت والمساجد والمدارس التي خربت, خلقت (شرق فجر جديد), وعززت لأول مرة خيار المقاومة وضرورة امتلاك سلاح الكلمة والصورة, بدل التهافت على ما يسمى ب:(السلام).الذي ضاع مع الأجزاء الآدمية التي تقطعت في هولكوست غزة الجديد..

وكأننا نردد مع شاعرنا الكبير أحمد ولد عبد القادر في ستينات القرن الماضي:

 

يا فلسطين يا فريسة عصر                لقوى الشر عيره غليان

حطمي اليأس بالنضال وثوري            في مسار قوامه الشجعان

لا يرد الحقوق إلا دماء                    تتلا لا كأنها الأرجوان

فعصب الحياة مازال حيا                  يقذف الموج نبعه الريان

سلمى الشعب وامنحيه انطلاقا              فبغير الشعوب لا يستعان

أيها ألاجئ المشرد ظلما                   أيها النور أيها الإنسان

لا تدع حقدك الدفين رفيقي                 حسرات يلوكها الوجدان

حول الحقد نقمة وجحيما                    يتلظى لهيبه الجذلان

 
   صحيح أن إعلامنا فاقدا لثقة الجماهير وذالك لأن الوعي والثقافة سبقا الإعلام العربي بمراحل لكن هذا لا يمنعنا من استرجاع هذه الثقة..
فالإعلام منتج طبيعي لواقع المجتمع والمجتمعات المتقدمة هي التي تنتج إعلاما متقدما

ولا يوجد إعلام حر مطلق، كما لا يوجد إعلام حيادي بالمطلق حتى الإعلام الغربي الذي يتبجح بالحرية لديه درجة من الانحياز لإسرائيل وهذا ما رأيناه في الحرب على غزة وما نشاهده اليوم, في بى بى سى الانجليزية والقنوات الأمريكية والأوربية في تعاليقها على مجزرة غزة وكونها تأخذ من الجانب الإسرائيلي فقط..

وعدولها بعد ذالك لأول مرة عن هذا الاجراء بعد أن أحرجتها شهادات وطواقم اعلامية منصفة غربية مرددين مع مراسلة أمريكية قولتها: الاسرائليين حثالة... ودمويين.. وهو الخبر المدوي الذي  كشف عن تفاصيل تصدرت كبريات وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة الغربية والدولية والعالمية ..

     وأهمية هذا المكسب الجديد هو أن المجتمعات الغربية تثق بهذا الإعلام لأنه تأسس على الثقة. وهنا يجب أن نفرق بين إعلام يحظى بثقة أمته، وإعلام لا يحظى بذلك لذا يجب علينا لتخطى هذه العوائق أن يستخدم إعلامنا فنون الاتصال المختلفة والأساليب المتقنة والمدروسة، وأن يستفيد من الوسائل العصريَّة المتاحة، فكما أنَّه ليس من المعقول أن نحارب بالسيف من يحاربني بالطائرات والصواريخ، فكذلك ليس من المقبول أن أواجه العالم بوسائله الإعلاميَّة ذات التطوُّر التكنولوجي الهائل، بوسائل بدائيَّةٍ تقليديَّة وإذا كانت بعض القنوات العربية على قصر عمرها, وتواضع إمكانياتها, مقارنة بالإمبراطوريات الإعلامية  الغربية العريقة,  قد نجحت في نقل أحداث غزة  بكل موضوعية, ومنهجية, وأحرجت هذه المؤسسات الغربية, وعلى رأسها العملاق بى بى سى. فإننا كعالم عربي وإسلامي مستضعف, بحاجة إلى مزيد من هذه القنوات الفريدة, والكوادر المبدعة, حتى نفهم الآخر ويفهمنا..

      ان تاريخ الغرب_ منذ أن أصبح هذا المفهوم مفهوما سياسيا استراتجيا يكشف عن حقيقة أساس قوامها: مواقف متغيرة وثابت لا يتغير: إن موقف الغرب من العرب أو من الإسلام أو من الصين أومن أية دولة أخرى في العالم, موقف يتغير دائما, وقد يقفز من النقيض إلى النقيض إذا اقتضى الأمر ذاك,أما الثابت الذي يحكم تحركات الغرب وتغير مواقفه فهو(المصالح) , ولاشيء غير المصالح فعندما تمس مصالح الغرب أو يكون هناك ما يهددها, تتغير المواقف في الحين.

وهكذا,فان الأمر الذي جعل الانجليز والغرب عموما يحاربون مشروع(وحدة عربية),مهما كان شكلها, بعد سنة 1956, هو خوفهم من أن يطال التحرير والتأميم الأرض العربية وثرواتها باسم القومية العربية.

وما جعل الأمريكان والغرب عموما ينقلبون على الإسلام مثلا, الذي كانوا يغازلونه, هو قيام بعض الحكومات التي تحكم باسمه وعلى رأسها المملكة العربية السعودية على عهد الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز, بقطع النفط عن الغرب نتيجة انحيازه إلى جانب إسرائيل في حرب 1973 وما تلا ذالك من استعادة الثورة الإيرانية, التي قامت باسم الإسلام,حق إيران في امتلاك بترولها. وهو الحق الذي حاول الدكتور مصدق قي أوائل الخمسينات استرجاعه,فأطاح به الغرب بواسطة (الشاه), وبتحالف مع زعيم الاتجاه الإسلامي فيها آنذاك آية لله القشانى.

    وشأن الغرب مع الإسلام والعرب والإسلام شأنه مع الصين وغيرها من لبلدان. كانت الصين تشكل العدو رقم1 للغرب يوم كانت سياستها تابعة أو منسجمة مع سياسة الاتحاد السوفياتى.

   وعندما حصلت القطيعة بين بكين وموسكو, تغير موقف الغرب منها,فاعترفت بها الولايات المتحدة ضاربة عرض الحائط صنيعتها التي كانت تحمل اسم (الصين الوطنية), وتحتل مقعدا دائما في مجلس الأمن, المقعد الذي تحول منذ ذالك إلى الصين الشعبية, وعندما انهار الاتحاد السوفياتى,عادت الصين  لتكون العدو و(الخطر الأصفر), والسبب هو امتلاكها للقنبلة الذرية وسلوكها سياسة مستقلة ودخولها في مرحلة الإقلاع الإقتصادى الذي قد يجعل منها منافسا حقيقيا لمصالح الغرب الاقتصادية في شرق آسيا.

     إذا يتبين لنا مما سبق أن الغرب مصالح ولاشيء غير المصالح , وكل حوار معه أو تفكير ضده لا ينطلق من هذه الحقيقة, إنما هو انزلاق وسقوط في شباك الخطاب المغالطى التمويهي السائد في الغرب والهادف إلى صرف الأنظار عن (المصالح) وتوجيهها إلى الانشغال بما يخفيها ويقوم مقامها في تعبئة الرأي العام مثل الحريات,الثقافة, الديمقراطية... الخ  

   إن الإعلام يحتضن أولادنا ويؤثر فيهم تأثيراً مباشراً ويأخذهم نحو الأهداف التي من أجلها صيغت هذه البرامج، حيث أن برامج الإعلام لها أهداف وخطط تسعى لتحقيقها.

وإذا كان لإعلام يمثل سياسة موجهة تستخدم لصالح الدول الكبرى التي تتلاعب في مصير الأمم. فهل يمكننا أن نجارى هذه السياسات ونستخدمها لصالحنا أوعلي الأقل أخذ موقف منها في هذا العالم الجديد الذي تجتاز فيه الإنسانية منعطفا حادا، ومثلما تدرجت في عصور الرعي والزراعة.والصناعة ها هي ذا تدخل الآن في عصر المعلومات ، الذي تتنامى فيه العمالة الفكرية على حساب العمالة اليدوية، وتتبدل فيه مقاييس التقدم ومعايير ارتقاء الأمم وتترك خصائصه آثارها العميقة على طرق التفكير، وأنماط العيش وسبل التخاطب, وأساليب التربية والتعليم, وقواعد السلوك وسائر العلاقات الاجتماعية والسياسية، والاقتصادية المحلية منها والإقليمية والدولية.

    وككل التحولات الكبرى في التاريخ سوف نضطرب خلال مراحل تحول القيم والموازين وأنماط السلوك ،وسوف يقاوم الإنسان التغيير ويدافع بحكم الاعتياد إلى أن يستقر الجديد وتثبت فعاليته وجدواه..

   ويكفينا من هذا الجديد في الوقت الحالي هذه المظاهرات العالمية حتى في تلك الدول الحاضنة لإسرائيل.. لنصرة لقضية الفلسطينية وهذه الدعوات الغير مسبوقة بمحاكمة قادة إسرائيل بتهمة ارتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية, بعد أن عاشت عقودا فوق الشبهات إعلاميا.

    وهنا يأتي دور الكتاب والمؤلفين والناشرين بتوظيف هذه المكاسب كما يجب عليهم أن يتساموا فوق الكثير من القضايا أمام هذا الواقع الجلل.و بما أن الشيء بالشيء يذكر, فان مجزرة غزة التي كان آخرها  قد تصبح مسألة ثانوية بالتقادم.

    تماما كحادثة الرسوم المسيئة, والتي هب لها العالم العربي والإسلامي, في ما سمي وقتها بزلزال الرسوم المسيئة. ويرجع هذا إلى أن  أمة اقرأ باتت لا تقرأ فالتاريخ الحاضر لا يكتبه الأجداد، ولا يتحرك على الأرض طبقا للأماني والأقوال في مجتمع فقد فعاليته وفقد معها قدرته على قراءة الأحداث الماضية منها والجارية، فضلا عن المستقبلية وتحول إلى ظاهرة صوتية تقول ما لا تفعل، وتسمع فلا تدون، وإن هي دونت فلن تقرأ، لأنها هجرت التحصيل العلمي.وهذا مايظهر من خلال ما كتب وألف  مقارنة بمقدسات الأمة..

    وحتى ما كتب في ذالك الوقت من كتابات هادفة وصورا جميلة أظهرت المسلمون أقوياء متحدو الصفوف في وقت بسيط , وهو ما أذهل الجميع_ بما فيهم المسلمون أنفسهم_ بعد أن شوهتهم الصورة النمطية للضعف والتشتت. وكيف أن أوربا آنذاك نبهت الكثير للإسلام,     وعرف العالم أن حب الرسول صلى لله عليه وسلم جزء من إيمان المسلمين وعقيدتهم.إلا أننا نسينا ذالك كله عن قصد أو غير قصد..

فحوافر العيش تعود فتحفز ويشتد حفزها، والحياة تعود تهتف بحاجاتها ويشتد هتافها، والإنسان منا يلبى جبرا لا اختيارا، ويتركز على يومه، وينسى أمسه الذي كان، وينسى يومه الذي سوف يكون، إلا من حيث ما يطعم، ويلبس، ويلد، ومن حيث ينعم أو يشقى بالحياة..

     وإذا كان هذا حدث مع رسول هذه الأمة الذي يرتبط به المسلم في صلاته ويصلى ويسلم عليه على الأقل 30 مرة في اليوم والليلة, فإننا نتوقع أن يحدث نفس الشيء مع  مجازر غزة.

    غير أننا نستبعد أن يفارقنا إطلاق النار بشكل همجي على النساء والأطفال والشيوخ...   وصراخ الأطفال وعويل الثكلى والشيوخ وبين تلك الأصوات الصارخة في معركة غير متكافئة  بأخذ الواحد منا ينعم النظر محدقا ببصره، وهو إذ يملأ بالذي يراه عينا، يملأ به فكرا، ويملأ به قلبا. و بهذا يسجل في مخيلته صورا لأطفال تفحمت أجسامهم , ونساء قطعت رؤوسهم, ورجال تناثرت أشلائهم, في لوحة لم تشهد لها البشرية مثيل في تاريخها الطويل..

     ليس أمامنا من طريق لاستعادة الثقة بثقافتنا، والكف عن الاستجداء الثقافي سوى التوصل إلى طريقة ننهي بها التناقضات الداخلية في ثقافتنا الحاضرة، ونخلصها من الشوائب التي أقعدتها عن أداء وظيفتها في الريادة الحضارية.وهذا يمكن أن يتحقق بعد امتلاكنا للسلاح الجديد الذي يمنحنا معنى من القوة , والمتعة, سلب منا قرابة خمسة عقود.

 

لماذا لا نسمع إلا جعجعة و لا نرى طحينا ؟ / الولي سيدي هيبه

ما هو السر يا ترى وراء تأخر البلد عن ركب الأمم؟ و ما هو السر في وجود حاجز سميك و نفور مرضي و عقد متداخلة بين أهله و بين مظاهر التصنيع التدريجي و التحويلي الأولي منه على الأقل لتأمين اكتفاء ذاتي من الضروريات الخفيفة كالمواد البلاستيكية،  الأواني، الأفرشة، المعدات الكهربائية، مواد بناء، صناعة الملابس، تعليب الأسماك و التمور و منتجات زراعية أخرى، إنتاج الأدوية: مسكنات، معقمات، مضادات حيوية و عقاقير للإلتهابات،  إلخ... مطبوع عليها صنع في موريتانيا؟  ثم كيف لبلد يمتلك مثل ما تزخر به أرضه من مقدرات في تنوع مذهل أن يظل أهله مُستنزِفِين هذه المقدرات لحساب و بفعل غيرهم في مقابل استهلاك عشوائي من المستورد محدود الحيز الزمني و عديم الوقع الإيجابي على مستوى العيش و ديمومته؟

إن كل المؤشرات و المعطيات العلمية و المعلومات الموضوعية و الدلائل الحسابية تثبت أن موريتانيا تملك عددا مريحا من الأطر السامية و الكوادر الفنية و الكفاءات العلمية المتخرجة في أكبر الجامعات و المعاهد و المراكز العلمية و الحرفية العالية في عديد من دول قارات العالم وعلى التراب الوطني على الرغم من حداثة العديد من المدارس و المعاهد و الكليات. و هو التراكم الحاصل على فترة تزيد سنين أربعة على الخمسين من الأعوام و شكل أجيالا ثلاثة لا تخطئها العين المجردة، إذ هي ما تزال في حيز شرائح الأعمار المترابطة تتعايش في شبه يفترض لها أن تكون متناغمة مهنيا، متكاملة في تدرج حرفي يجمع التجربة الرصينة و العلمية الثاقبة المجددة بسيل الابتكارات العرم من حولها. كما أنها الأجيال التي كانت لتشكل بهذا الحضور الطافح مددا إلى المستقبل لا يستهان به و الذي ما كان - لو قيد لقادته الفكريين و السياسيين و العلميين والمخططين أن عملوا بوعي و وطنية و إخلاص على ذلك - إلا ليطفئ ظمأ البلد إلى سقاية العلم و تطبيقاته على أرض الواقع و تلبيته الفورية لاحتياجات دولةِ مواطنيهِ الناشئة بعددهم سهل التوجيه و الذي لا تكلف عملية تأطيره للوجهة الصحيحة كثير عناء، ثم الاستغناء به حضورا و طاقة وطنية تغني باستغلال مقدراته من التواجد المحرج للخبرة الأجنبية و ما يترتب عنها من لجوء مقيدٍ إلى وسائل دولها العملية و العلمية و التوجيهية.

إن عدد المهندسين الموزعين في البلد على كل خارطة الاختصاصات و الاحتياجات ذات الصلة بمقدراته و متطلبات التنموية الشاملة والرفع من مستوى المواطن، عدد كبير نسبيا و يغطي كل المجالات الحيوية كالمياه و الزراعة و الثروة الحيوانية و البحرية و المعادن و الهندسة الميكانيكية و الطاقة الكهربائية و غير ذلك كثير مما يجد لتطبيقاته مجالا متعدد الأوجه و مطلوبا بإلحاح دفعا لعجلة التنمية الاقتصادية و بناء الإنسانٍ العصري. و إن عدد الإداريين الملمين نظريا بما يكفلُ رفع الأداء في إطار "الحكامة الرشيدة" و كل تحديات الفوضى و ثبات النظام، عدد كاف و يزيد لإكمال المهمة و إرساء قواعد المدنية و الحداثة. و ليس عدد المسيرين و الخبراء و المخططين في مجالات التنمية و تسيير المقدرات بأقل في العدد من الحاجة قياسا بحجم المتطلبات، مثل ذالك من التقنيين و الأطباء و الحقوقيين قضاة و محامين، منظرين، مجتهدين، معدين و صائغين للقوانين لكل الحالات و في كل المجالات. و إنه لو تم القيام بالإحصاءات التقييمية و التقويمية والضرورية  لكل هذه القدرات و الطاقات من جهة و الاحتياجات التي يعبر عنها الواقع و المتطلبات من جهة أخرى لمالت الكفة إلى حقيقة أن النقص ليس في الأعداد و الاختصاصات، إذ كيف يعقل أن لا يكون الأمر كذلك و التكوين جاري منذ عهد الاستعمار إلى فترة الاستقلال و التحرر من طوق غياب الدولة المركزية و التوجيه الاستعماري و التبعية الإقليمية جنوبا و شمالا، إلى غاية فترة شمولية الوعي النظري الذي ساهمت فيه التيارات التحررية و الأيديولوجية القومية و الاشتراكية و العلمانية و الرأسمالية و العقائدية.

فأين إذا يمكن البحث عن أسباب هذا التناقض الصارخ و الحالة الشاذة بمقاييس الموضوعية المجردة بين حضور الكادر ماديا و غياب النتائج العملية التي من المفروض منطقيا أن تترتب عنه على أرض الواقع؟ هو سؤال يطرح نفسه منذ نشأة الدولة و لما لم يجد بعد جوابا فإن الأمر قد ولد بالنتيجة سؤالا ملحا ليست الإجابة عنه بأقل من ضرورية و مؤكدة حتى لا يبقى الحاضر رهن غموضه و المستقبل في دائرة شك حصوله: أين بيت قصيد هذا الوضع الاستثنائي؟

 أفي العقلية التي تقف حائلا أمام التمتع عمليا بالكفاءات و نتائج العلوم التي حصلها الأفراد و بقيت في دائرة الاعتبارات النظرية كأوسمة أو نياشين تزين الجبين القبلي و الطائفي و الإثني ليس إلا؟

أم هي عوامل أخرى تقف حائلا أمام السير بالبلاد إلى مصاف الأمم و تبرير أسباب بقائها و استقلالها، عوامل منها غياب الوازع الوطني الذي يغار به كل فرد على الكيان العام في الصميم و يحميه في الواقع؟

أم هو غياب مفهوم الدولة في دائرة رفض التخلي عن الكيان الجزئي وطنا يموت دونه البلد الموحد؟

أم أن ثمة عوامل أخرى تحتاج إلى التشخيص النفسي و التحليل الانتربولوجي؟

و مهما تكن الإجابة التي لا بد من الوصول إليها في حتمية المسار التاريخي إن عاجلا أم آجلا، فإن الوضع القائم في البلد، المتسم بالركود الحضاري و بالبعد عن الالتحام بواقع العصر منطقيا و عمليا، لا يوازيه إلا ما يعيشه الشعب من انفصام عن واقع التغيير و بناء المستقبل. فلا يختلف القادم من أعماق البلد - في التفكير و الطموح المحدود و الفهم الضعيف لمتطلبات الوطنية في أبجدياتها و في تخلفه و عجزه المفضوح عن استخدام لغة العصر و وسائله و وسائطه التوضيحية لفوائد التقدم - عن أخيه المتعلم المستقر في المدن الكبرى و هو الذي يكتفي بالقشور السهلة و يحن في انفصام شديد إلى العمق بكل تفاصيل مصاعبه الجمة و مصائبه الكأداء.. وضعية نفسية مزمنة لا بد من شحذ الهمم و الإقدام على محاربتها سبيلا إلى تخليص المواطنين من براثنها، الأمر الذي لن يتحقق إلا من خلال مكافحة سدنة هذه الوضعية من مثقفين نظريا و أطر بالتحصيل و سياسيين هزليين و قادة يطوقهم و يشلهم المنطق الإقطاعي الذي يحاصرهم في الواقع و في الصميم، حتى تزاح الغمة و يتسرب نور الوعي القيم المصحوب بإرادة و فعل العمل البناء.

و يبقى من السخرية بمكان أن نستمر في دغدغة عقولنا المتحجرة بمواويل التغني و التباهي بأمجاد مات أهلها و بصفات المثالية و الكمال في العلم و الشعر و النبوغ و الريادة و الإقدام  في ظل هذه الوضعية المنفلتة من قبضتي المكان في حيز القرية الكونية و الزمان في دائرة التحولات المذهلة في التفكير و العمل، و لا نرى وقع ذلك في صرح البناء و التقدم و الازدهار و اشتداد عود الكيان الذابل.

فإلى متى إذا ستظل جعجعةُ كبرياء شخصيتنا "الدونكشوتية" تصم آذاننا و لا نرى طحين علمية الواقعية الاضطرارية يصنعُ لنا خبزَ بقائنا في عصر الوجود المقرون بالعطاء؟

 

اعلان

صور

تقرير عن الامطار في ولاية تيرس الزمور

دعاء الشيخ الددو للمدير التجاري لسنيم

فيس بوك