العنصرية إسفين في نعش النضال / الولي ولد سيدي هيبه

العنصرية هي محنة الضمير البشرى/ نيلسون مانديلا

أبشع و أحط أنواع العنصرية أو ما يلامس بعض معانيها - عند أهل الخيارات النضالية، دعائية كانت أم انفصالية - أن تختار لغيرك انتماء عرقيا أو ثقافيا رغما عنه و تقصد من ورائه في جهالة مطلقة بقيمة الإنسانية أن تحط له من قدره أو تشككه في مميزاته أو تزعزع ثقته في عوامل و ثوابت توازنه و معين عطائه في دائرة إنسانيته التي هي أولا و أخيرا أسمى ما يملك و أغلى ما يتقاسم في إنصاف إلهي مع كل البشر.

و العنصرية هي الاعتقاد بأن هناك فروقا وعناصر موروثة بطبائع الناس و أو قدراتهم وعزوها لانتمائهم لجماعة أو لعرق ما - بغض النظر عن كيفية تعريف مفهوم العرق - وبالتالي تبرير معاملة الأفراد المنتمين لهذه الجماعة بشكل مختلف اجتماعيا وقانونيا. كما يستخدم المصطلح للإشارة إلى الممارسات التي يتم من خلالها معاملة مجموعة معينة من البشر بشكل مختلف ويتم تبيرير هذا التمييز بالمعاملة باللجوء إلى التعميمات المبنية على الصور النمطية وباللجوء إلى تلفيقات علمية.

لعل تيام صمبا، و بعيدا عن اتهامه بهذه النوايا التي من زمن ولى، يريد و لا ألتمس له في ذلك أي عذر بهذا الخلط "الممكن" بل "الحاصل" و "الممتزج" جدا بين العروبة و البربرية كما يحلو له التذكير بذلك مع بتر متعمد لذكر أن هذا المزج الحضاري النادر هو الذي:

·        فتح بقوته و عمق تداخله "طارق بن زياد أرض" الأندلس في شبه الجزيرة الابيرية،

·        و هزم بشدته و عنفوانه "يوسف بن تاشفين" جيوش البرتغاليين في معركة "الزلاقة" التاريخية الفاصلة،

·        و أشاع بقوة امتزاجه "أبو بكر بن عامر" دين الإسلام و نشر الثقافة العربية في كل ربوع غرب إفريقيا و ما بعدها في العمق القاري و على الأطراف حتى تخوم اليمن في رجع حضاري حمل فيما بعد كل سمات الغرابة و العجب،

·         كما كان الأمر به على طول طريق القوافل التي كانت تعبر الصحراء و تنتظم معها قوافل الحجيج التي دعيت في بواكيرها برحلات حجيج "التكارنة" نسبة إلى التكرور دون أن يكون لذلك أي مغزى يميز أو يسيئ في ظل سماحة و طهر إنسانيين بالغين.

و هو بكل ذلك أيضا "المزج" العرقي الحضاري بين البربري و العربي و "الزنجي" - رغم تعمد تيام صمبا لحاجة في نفسه عدم ذكر هذا البعد الحضاري والرافد العرقي - الذي قدر لذويه البصم بـ"ألمعية"  نادرة على ثقافة المشرق العربية و الإسلامية في فترة كانت الحاجة فيها ماسة إلى انتشالهما من روافد قاهرة بإرادة المسخ و جاثمة بإرادة السلاح و إن لبست لذلك يومها ثوب الإسلام ثم تنكرت للغته التي أنزل بها قرءانه.  

و لأن تيام صمبا يبدو مصرا على تحميل المسميات و المفردات معاني تحمل رغبة بادية في الإيلام و الوخز و تمييع الأصول و الانتماءات فلا بأس في أن يتفقه و لو من باب الفضول الإيجابي بمعرفة الأصول و الأعراق و الانتماءات الثقافية الموروثة و المقصودة بفعل حرية الإرادة، أن يقف عند مصطلحين في هذا المنحى.

فأما أولهما فمتعلق بمصطلح "البربر Berbère" الذي هو كلمة إغريقية أطلقها اليونانيون على من لا ينتمي لحضارتهم (المميزة باللغة الإغريقية والدين اليوناني)، لذلك نجد المؤرخ اليوناني هيرودوت، يطلق وصف البربر أو البرابرة على الفرس وكذلك أطلق الرومان لفظ البربر على كل من لا ينتمي لمنظومتهم الثقافية والحضارية الإغريقية الرومانية. ولعل بقاء الشمال الإفريقي خاضعا للنفوذ الروماني إلى غاية الفتح الإسلامي قد يفسر بقاء اسم البربر لصيقا بغجر شعوب المنطقة.

و أما المصطلح الثاني و الذي أنصحه بأن يستخدمه لما يحمل من قيم إنسانية و تاريخية و اعتبار للشعوب المنضوية تحت خصوصيته العرقية و الثقافية السامية، و هو مصطلح "الأمزيغ" الذين هم مجموعة من الشعوب الأهلية تسكن المنطقة الممتدة من واحة سيوة شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا، ومن البحر الأبيض المتوسط شمالا إلى الصحراء الكبرى جنوبا، وهي المنطقة التي كان يطلق عليها الإغريق قديما باسم نوميديا. وهم قبائل كثيرة وشعوب جمة وطوائف متفرقة، وقد قسمهم بعض نسابة العرب إلى فرقتين: البرانس والبتر، وقالوا أن البرانس هم بنو برنس بن بربر، والبتر بنو مادغيش الأبتر بن بربر. وبعضهم أرجعهم إلى سبعة أصول متفرقة وهي إردواحة، ومصمودة، وأوربة، وعجيبة، وكتامة وصنهاجة، وأوريغة.

و لما أن الأمر بهذا التشعب و بهذا الغنى و التنوع الممتع فإن كلمة "التكارير" التي هي اسم لشعب كبير من القبائل الحامية أسس مملكة أفريقية قديمة جدا امتدت من غرب السودان إلى سواحل المحيط الاطلسي امتزجت فيها عديد الشعوب و الأعراق حتى باتت إشكالية التميز مطروحة بإلحاح داخل المسمى العام  و ظهرت بوادر ذالك التميز في تسميات أخرى التي منها وأكثرها خضورا و تميزا عند "إفلان" و غيرهم ممن كانت لأعراقهم دول و ممالك و إمبراطوريات كـ"السوننكي" و "الولوف". و عبثا يحاول البعض أن يجمعهم لأهداف انفصالية تحت مسمى الزنوج الأفارقة الموريتانيين يريد له أن يكون انتماء ممشتركا دون غيره في الوقت الذي يمنع ذلك لغيره و بالإلقاء جزافا لتسميات مشحونة بالميز العرقي و الثقافي و الحضاري.

توضيح حول مقال:مياه آكشار المعدنية الحقوق الضائعة !!

المرابط ولد محمد لخديم

E- mail; عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  كتبت في الأسبوع الماضي مقالا بعنوان:مياه آكشار المعدنية الحقوق الضائعة حاولت فيها تسليط الضوء على أن هذه المياه تحمل اسم شخص بعينه وهو الجد الجامع لمجموعة من قبائل موريتانيا وأن هذه الأرض سميت باسمه وأن الأرض لمن أحياها وهي رسوما عادة ما تفرضها القبائل التي تملك أرض معينة لها الحق في المطالبة بها أوتركها.؟؟

     ولم أكن أتوقع أن يصنف مقالي سياسيا وأنني انما كتبت ذالك المقال لأن الشركة المذكورة مملوكة لرجل الأعمال المعروف محمد ولد بوعماتو الموجود حاليا بالمغرب وأن كتابتي للمقال كانت ارضاءا لطرف معين..

    وأعود فأذكر الجميع أنني لم أتقلد يوما منصبا حكوميا أدافع من أجله ولست من الموالاة ولا من المعارضة والسبب أنني الى حد الآن لم أرى في جميع الحكومات المتعاقبة شكل دولة بالمفهوم الحديث منذ عهد الرئيس ولد هيدالة الى يوم الناس هذا والسبب هو أننا مجتمعا بدويا وجد نفسه يعيش تجربة ديمقراطية فريدة من نوعها اختصرت المراحل والمسافات وجاءت متكاملة نتيجة لظروف معينة خارجة عن إرادة البلد, بدون أن يكون مؤهلا  لها,  وإن أحد مقاييس التحضر المهمة اليوم يكمن في مدى سيطرة الناس على بيئاتهم الاجتماعية والطبيعية، ومدى قدرتهم على استيعاب سنة التغيير، والتلازم معها. وحركة البحث العلمي في معظم مجالات الحياة تستهدف هذه المسألة على وجه التحديد..
إذا طبقنا هذا المقياس فان أي دولة تطمح أن تكون متحضرة بالتعريف الدولي فيجب أن تحقق الآتي:    
 محاولة الانعتاق من أسر الجهل والأمية الأبجدية ،وخاصة الأمية الثقافية والحضارية1-.

    إن هذه الثقافة ستسلمنا إلى منهاج من الدراية العلمية، هذه الدراية العلمية تبني بيننا جسورا من العلاقات الاجتماعية، ثم إن العلاقات الاجتماعية تتعقد فتنشئ في ما بيننا جسورا من العلاقات الاقتصادية، وشيئا فشيئا تتعقد العلاقات الاقتصادية في ما بينها، ثم إن هذه العلاقات الاقتصادية تسلمنا إلى العمران والبناء والحضارة،وعند دخولنا في عالم الحضارة والبناء نجد أن علاقاتنا الاجتماعية تعقدت -الاقتصادية الأسرية تعقدت ،عندها نشعر بفراغ في حياتنا، فما هو هذا الفراغ؟!
     هذا الفراغ هو فراغ الشريعة والقانون، أي أننا بحاجة ماسة إلى صيغة تنظم علاقاتنا الاجتماعية الاقتصادية الإنسانية لتضمن سير العدالة في حياتنا وتضع جسورا للعلاقات السليمة بيننا وبين جيراننا. إذ أن الصيغة القانونية عندما توجد متكاملة في مجتمع من المجتمعات ،تكون عنوانا على أن هذه الأمة نضجت حضاريا وأنها وصلت إلى أوج حضارتها، هذا ما يقوله علم الاجتماع وهذا ما سارت على نهجه المجتمعات كلها في العصور القديمة والحديثة. إذا طبقنا هذه القاعدة على دولتنا الفتية فإننا نجد أن عمرها لم يصل سن النضوج حتى يتدرج في الهرم العمراني فهي قد عاشت في هذا العمر القصير مراحل متباينة: بين البداوة, والاستعمار, ودولة المدنيين, ثم العسكريين إلي يوم الناس هذا.....
     إذا رجعنا إلى قيام الدولة الموريتانية الحديثة فإن أول ما يطالعنا في هذا الصدد هو خلو البلاد من سلطة مركزية تطبق الشرع وتدبر أمور الناس، ويتحاكم إليها الخصوم في الوقائع، فلم تعرف البلاد الشنقيطية بعد العهد المرابطي أية سلطة مركزية ولا نظام في الحكم حتى نهاية العقد السادس من القرن العشرين عندما أعلن عن دولة الاستقلال تحت اسم الجمهورية الإسلامية الموريتانية في 28 نوفمبر عام 1960م.أي قرابة 1000سنة من البداوة
   وهذا ما يسمح بالقول أن التاريخ السياسي للبلاد أمتاز بسمة من البداوة يعززها غياب للسلطة المركزية، فكان ذلك دافعا إلى صياغة جملة من الأسماء تلح في معظمها على وصف هذه الأرض بالخروج على السلطة والحكم والابتعاد على الخلافة والنظام، ومن هذه الأسماء "البلاد السائبة" وقد تحدث الشيخ" محمد المامي" عن خلوها من مقومات الملك والسلطان كالدرهم المسكوك والأمير المطاع يقول: "هي البلاد التي لا حكم فيها ولا دينار ولا سلطان بادية في فترة من الأحكام بين المملكتين البوصيابية في الجنوب والإسماعلية في الشمال، ولاشك أن مسألة السيبة أو التسيب كان لها تأثير كبير على أوضاع البلاد السياسية والاجتماعية، فلعلها هي التي حملت علماء الشرع على أن يكيفوا الكثير من الأحكام البدوية وفق النموذج القائم فاجتهدوا قدر الممكن والمتاح في المصالح والمقاصد بل إن هذا الاستثناء ولد عند أهل الذكر قناعة بعدم جدوى دولة النظام، خشية الفتنة والفساد وقد عبر الشيخ" محمد اليدالي" عن جانب من هذا التوجس مبينا جهل الناس يومئذ بأمور الحكم وفقه السياسة...
    ويبدوا أن هذا التصور مازال موجودا إلى يوم الناس هذا, وان كان لا يتعدى آنذاك الحد الجغرافي لبلاد البيظان, إلا أنه وبقدرة قادر انطبق الحد الجغرافي على شكل نظام الحكم, وسمات الحاكمين...
    فمنذ ذالك التاريخ وأنظمة الحكم المتعاقبة ذات طابع برزخي, فلا هي نظم عسكرية ولاهي مدنية ولكنها, عوان بين ذالك, للعسكر فيه القول الفصل وللمدنيين في بعض أطوارها الكلمة العلانية..

      إن المثقف الذي يجد بلاده متخلفة تقنيا، دون وجود أية بارقة أمل لسد الفجوة بينها وبين البلدان المتقدمة، سوف يسحب ثقته من ثقافته، ويتحول إلى شحاذ ثقافي يستجدي على أبواب الآخرين للأفكار والمفاهيم والنظم التي تملأ الفراغ، الذي خلفته ثقافته المنهارة.

     حين تعتل الثقافة، تفقد انسجامها الداخلي، وتتحول كل منظومة فيها إلى أداة لهدم المنظومات الأخرى.  فالعلم آنذاك، لا يعزز الأخلاق بل يهدمها، والتقدم الاقتصادي، لا يحقق العدل والمساواة، بل يقصيهما، والتلاحم الأهلي، لا يغدوا مصدرا للشعور بالأمان، بل يتحول إلى عبء يثقل كاهل أصحابه وهكذا...

    ومهما ارتفعت أصواتنا ومناداتنا بقيمة ثقافتنا وتراثنا وديننا وضرورة محافظتنا عليه. إيمانا منا بمقاومتها لتلك الثقافة الأجنبية، فإن الناس سيمضون في طريقهم إلى تقديس الثقافات المتفوقة على حساب ثقافتنا، بشكلها الحالي. إذ أن روح عصرنا تمجد القوة بأوسع معانيها، وتنجذب إلى التفوق على مقدار ما تستهين بالثقافات التي تحاول أن تستمد مشروعيتها من غير هذا الباب.

     ليس أمامنا من طريق لاستعادة الثقة بثقافتنا، والكف عن الاستجداء الثقافي سوى التوصل إلى طريقة ننهي بها التناقضات الداخلية في ثقافتنا الحاضرة، ونخلصها من الشوائب التي أقعدتها عن أداء وظيفتها في الريادة الحضارية.ولن يكون ذلك كافيا ما لم تتحسن سيطرتنا على البيئة التي نعيش فيها، من خلال الارتقاء بنوعية الحياة لمعظم أبناء الأمة.  وهذا ما يتطلب منا البحث عن جذور هذه الثقافة, التي يتمسك بها الموريتاني, ومحاولة التعرف على فلسفتها, التي يبدوا أنه يوظفها في كل شيء ضاربا عرض الحائط بكل التصورات الأخرى التي تناقضها بكل عزم وقوة.

  والى أن نحقق هذه المهمة الصعبة فستبقى دولتنا الفتية تعيش مرحلتين متناقضتين مرحلة البدواة (أفريك أمكركس) كما هو مشاهد الآن.. ومرحلة الحضارة الحالمة شكلا!!!

 

الوزير الأول يحيى ولد حدمين: ضربة معلم / الولي ولد سيدي هيبه

حسنا فعل رئيس الجمهورية بأن عين وزيرا أولا من غير الذين هيأتهم بأساليبها عديد اللوبيات، السياسية "الكانتونية" في الأغلية و في المعارضة المتحايلة جميعها على الإدراك المجتمعي العام و بكيد دعاياتها "الغرضية" المربكة، حتى يقطع الطريق على مشاريعهم ذات الشعب المتباينة إلى الطموحات الضيقة في أهدافها من ناحية، و المتلاقية عند نقطة احتجاز الوطن داخل حظائر سرايا أحلامهم الخاصة من ناحية أخرى.

و حسنا فعل أن اختار رجلا غير ملطخ برواسب و أدران الفترات الماضية التي لا شك ستسيل يوما الكثير من الحبر و تفتح الباب أمام مراجعات ضرورية باتجاه دعم الحرب على الفساد و المفسدين و التي آتت بعض أكلها خلال المأمورية المنتهية. و هي الحرب الهامة و التي لا بد أن تظل هدفا متقدما و ملازما لكل مراحل تنفيذ البرنامج التنموي العام.

و لما كان الدكتور مولاي ولد محمد لغظف قد أبلى بلاء حسنا خلال قيادته للحكومة طيلة الفترة المنصرمة و هو الأمر الذي لا يختلف عليه اثنان، فإن فترته تلك قد شكلت مخبرا حقيقيا لصناعة و إرساء قواعد "الاستقرار الحكومي" إن جاز التعبير، بحيث توقفت معه فوضوية الترحال ما بين القطاعات و عبثية استبدال و تجديد الوزراء. و هو الأمر أيضا الذي كشف عن إضعاف ملموس لقوة التيارات النشطة بكل اتجاهات النفوذ القبلي و الإثني و الحقوقي و الرأسمالي، مما خلق هامشا معلوما لإضفاء المصداقية على الوزراء و قد ترك لهم حيزا محسوسا من الوقت يؤدون فيه المهام الموكلة إليهم. و لا شك بعيدا عن التأثيرات من أي نوع كانت من الاعتراف بأن هذه الحكومة و بغض النظر عن بعض الهفوات و التعثر الملحوظ في عمل بعض القطاعات و النقص المدرك في أصناف من الخدمات، قد حققت قدرا معتبرا من الانجازات الحيوية الكبيرة و أشاعت أجواء غير مسبوقة من الأمن خففت إلى حد بعيد ما كان قائما قبل ذلك من التوتر و الاحتقان.

هي إذا فترة تحسب لقيادة رجل تميز بـ"العملية" أكثر من الحضور "النظري" حتى نأى بنفسه على إثر ذلك عن المعارضة التي كادت لا تجد له ما تؤاخذه عليه اللهم في السياق العام لخطابها المعارض.

و لم تكن الظروف التي تم خلالها اختيار الدكتور ولد محمد لغظف بأقل "مخبرية" من الوقت الحالي حيث غيبت أحزاب معارضة قوية نَفسَهَا عن الحراك الجديد و أخذ النسيج السياسي شكلا مغايرا مع دخول مستجدات لها أبعاد ها في حسابات العملية السياسية  التي منها معالجة المعطى الحقوقي و تجديد الطبقة السياسية. و هي المرحلة التي تتطلب بهذا الوجه الجديد دخول رجل جديد له هو كذلك أن يشكل حكومة تلائم المرحلة الجديدة و تأخذ بمقتضياتها البلدَ إلى آفاق جديدة من التنمية العادلة في ظل تحول سياسي متحرر من القيود التقليدية و منفتح على كل القضايا الوطنية العالقة.    

 

 

مياه آكشار المعدنية الحقوق الضائعة!!

المرابط ولد محمد لخديم

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

تطلق  كلمة (أفيان) في موريتانيا على المياه المعدنية  على اختلاف مصادرها وتسمياتها...

وترجع هذه التسمية الى عقود حيث وصلت الينا أول زجاجات معدنية قادمة من نبعها الأصلي فرنسا,,

وقد يجهل البعض أن كلمة (افيان) الموضوعة على الزجاجة تطلق على المدينة وليس على النبع...

مدينة إيفيان   مدينة فرنسية  تقع ضمن اقليم ساقوا العليا أحد أقاليم  رون ألب وتطل: Évian-les-Bains           على بحيرة ليمان أكبر البحيرات الأوربية. وهي علامة تجارية مسجلة ينبع من عدّة مصادر قرب إيفيان لي-بينز، على الشاطئ الجنوبي لبحيرة جنيف...التي تتقاسمها فرنسا وسويسرا مناصفة..

يعود تاريخها الحديث الى الثورة الفرنسية سنة 1789 م  لكن اكتشاف النبع فيها وتصنيع المياه قبل عام 1823 حين قرر السيد (فوكنت) تأسيس جمعية للاستفادة من النبع المفيدة جدا للصحة حيث دعا عائلة( كاشة) مالكة النبع للاستثمار في هذه التجارة التي غدت فيما بعد من أهم مصادر الثروة للمدينة...فالفضل يعود الى هذه الزجاجة لبلاستكية التي نقلت الاسم الى كل بقاع العالم تقريبا..

وهو ما وصل بدوره الى اسواقنا ومازالت العبارة شائعة في أوساط الموريتانيين  رغم  كثرة المياه المعدنية الموريتانية..وتعدد التسميات والشركات..

   بدا الاستغلال الفعلي للمياه المعدنية في موريتانيا من بحيرة بنشاب ثم بعد ذالك تكاثرت بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة تحت مسميات متعددة: طيبة... آكشار,,, آزلاك.. آوكار..المروة الأصيل ...الخ

وسنتناول في هذا المقال مياه آكشار ذالك أنها تحمل اسم شخص وليس أرض معينة كالتسميات السابقة...

فآكشار هو الأب الجامع للجعفرية وهم بطون أولاد عمني وأولاد آكشار.

فهو  أكشار بن اكمتار بن غيلان بن يحيى بن عثمان بن مغفر بن أدي بن حسان...

    واذاكانت الأراضي الموريتانية مملوكة لقبائل معينة مثل بنشاب وترجيت وغيرهم من الأراضي ذات النفع, الخاص فأولى بأولا آكشار أن تكون لهم هذه الأرض التى تحمل اسم الجد الجامع لهم والذي دفن فيها منذ قرون أي منذ دخول عرب بني حسان المغافرة الى هذه البلاد ولهم الحق في اخذ الاتاوات على الشركات التي تستغل هذا النبع بما يرونهم مناسبا..

     وتعني كلمة آكشار حسب الروايات الشائعة الرجل القوي, لكن لماذا يسمي بهذا الاسم الصنهاجي  يبدو أن ذالك عائد الى أن زمنه كان اللسان الشائع فيه  هواللهجة الصنهاجية وسمي بها..

     وبما أن التاريخ الموجود بين أيدينا تنقصه الدقة وعدم المنهجية خاصة اذا تعلق الأمر بالأنساب  فأنني أرجح دائما لسان الحال على لسان المقال..

     اذا أخذنا مثلا اللهجة الحسانية التي تمتد من أزواد الى الساقية الحمراء وهي أقرب اللهجات الى اللغة العربية وأخذنا وظيفة هؤلاء الذين امتهنوا الحرب وحمل السلاح وتكوين الامارات فان هذه المعطيات توحي أنهم عربا..

   ولهذه اللهجة خاصية مهمة حيث أنها هي التي رسخت اللغة العربية وكانت طوق أمان في مواجهة المستعمر والتنصير عند ما عجز سلاحنا غير المتكافئ. بذلك شهد شاهد من أهلها:

                                         CRISTIAN LAGREيقول المسمي(كريستان لجرى

في رسالة سرية إلى الوزير المعني في فرنسا ما خلاصته:« إن الأفارقة قلدونا في الملبس وفي كل شيء ماعدا موريتانيا التي تمثل الثقافة فيها أعلى مراقي المجد فما زالت لها مكتباتها(700 مجلد من شنقيط وحدها) ولهم قضاؤهم المستقل» ثم يقترح حلا لذالك الصمود, وهو زعزعة مكانة العالم,  والمحظرة, وتشجيع أطفال المدرسة الحديثة بإعطاء المنح وفتح الكفالات وتوفير الملابس مجانا إلى أخر الاقتراحات.....

 والخطورة تكمن في أن الثقافة التي تعنيها الرسالة تتجاوز اليوم كل المعارف بأشكالها وأنواعها, حيث أن المدلول الحديث لمادة(ثقافة) بات أوسع من ذالك بكثير..

وتدل مادة "ثقف" في اللغة على تجاوز ما هو طبيعي ومعتاد إلى ما هو أكثر استقامة وتفوقا فقد قالت العرب: ثقف الشيء ثقفا: حذقه، ويقولون ثقف الشيء: أقام المعوج منه وسواه ،وقالوا ثقف الشيء إذا كان سريع التعلم له.

ومن هذا التعريف فإن الثقافة تشمل جميع السمات الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجتمعا بعينه أو فئة اجتماعية بعينها، مثل نظم القيم والتقاليد والعادات، ومثل الحقوق الأساسية إلى جانب الفنون والآداب وطرائق العيش.

لكن تاريخ اليوم لا يكتبه الأجداد، ولا يتحرك على الأرض طبقا للأماني والأقوال في مجتمع فقد فعاليته وفقد معها قدرته على قراءة الأحداث الماضية منها والجارية، فضلا عن المستقبلية وتحول إلى ظاهرة صوتية تقول ما لا تفعل، وتسمع فلا تدون، وإن هي دونت فلن تقرأ، وهذا ما فتح ثغرات أمام منظري الاستعمار الذاتي لبث مخططاتهم وهذا ما تحقق لهم على أرضية الواقع, بعد أن استعصي علبهم فترة من الزمن.

فهل تعيد شركة مياه آكشار الاعتبار لهذا الاسم الذي تحمله وتكافئه عليه أم أنه سيبقى حقا ضائعا لا يجد من يسأل عنه؟

 

 

 

 

 

 

تسجيل موقـف..(تصويب)

تنويه : لقد نشرنا في الأسبوع الماضي مقالا تحت عنوان "تسجيل موقف" حول المفاوضات الأوربية الموريتانية حول الصيد لصاحبه محمد الامجد ولد محمد وقد استبدلنا خطأ اسم كاتب المقال باسم كاتب مقال آخر لذلك نعتذر عن هذا الخطأ للكاتب الفعلي للمقال بعد أن لفت نظرنا على الخطإ وتأكدنا منه لذلك نعيد نشره بعد أن نسبناه لصاحبه.

المفاوضات الموريتانية الأوروبية بشأن الصيد

 

إن القضايا الوطنية الكبرى لها أن تحتل جزءا من قلوبنا و عقولنا، و أن تكون مرتعا خصبا لأرواحنا، و غذاء رغدا لأفكارنا و آرائنا و نقاشاتنا، و أن تستحق علينا الإشادة و الذكر و التنويه... هذا إذا كانت الوطنية تحتل جزءا و لو يسيرا في بواطننا أو على الأقل ما دمنا ندعي الانتساب لهذا البلد موريتانيا..

 

من هذا المنطلق، وجدت في نفسي اندفاعا لا متناهيا إلى الكتابة عن قضية من أعظم و أشرف و أنبل القضايا الوطنية و إلى اتخاذ موقف يتناسب طرديا مع شرفها و مكانتها و تعاظم قيمتها مرة بعد مرة.

و رغم أني ما كنت يوما من المسهبين في الكتابة حرصا على مداد قلمي أن يسيل إلى التزلف لأحد أو يفهم ذلك خطأ، إلا أنني اليوم أجد الواجب الوطني يدفعني دفعا لاتخاذ موقف يرضي ضميري تجاه قضية تستحق علي و على كل مواطن موريتاني الإشادة بها، ألا و هي نتيجة اتفاقيات الصيد المترتبة على المفاوضات الموريتانية الأوروبية منذ عام 2012 و حتى هذه الأيام.

فالشواطئ الموريتانية الأغنى عالميا بالأسماك و تنوعها ووفرتها ظلت منذ ما قبل الاستقلال و حتى منتصف عام 2012 نهبا و سلبا و فسادا لا مثيل له في العالم. و أعتقد أنه يمكننا الجزم أن اتفاقية الصيد الموقعة بتاريخ 31 يوليو 2012 في نواكشوط كانت حدا فاصلا بين صيد منهوب مسلوب في دولة كأنها لا وجود لها أو لا يشعر أبناءها بالإنتماء، و بين صيد وطني بكل ما في الكلمة من معنى له مردودية اقتصادية و سياسية و اجتماعية كبرى في دولة لها وجود حاضر و حضور موجود، و لها أبناء بررة حريصون على أن يبقى لهذا الشعب وطن يزخر بالخيرات و يفاخر بلدان العالم بأبناءه و بما أنجزوه.

إن من يقدم مصلحة الأمة على مصلحته الفردية الآنية لجدير بالتقدير و الاحترام و المودة.

فباسمي و نيابة عن وطني، أتقدم بالشكر الجزيل الذي يحمل في طياته كل التقدير و المودة و الاحترام إلى كبير المفاوضين السيد الشيخ ولد أحمد ولد بايه على نجاحه في أصعب مفاوضات عرفتها موريتانيا و أشدها تعقيدا، و من خلاله إلى رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز الذي فرض هذا التوجه و أراد لموريتانيا أن تكون بلدا شامخا و دولة ذات سيادة و ندّا لأعظم الدول و أعظم الاتحادات في العالم.

إن مفاوضات الاتحاد الأوربي مع موريتانيا هي أصعب مفاوضات فرضتها التفاهمات الإقتصادية بالنسبة لنا، و من أصعبها -على الأقل- بالنسبة لهم. فكل دولة من هذه الدول الثمانية و العشرين لها شأنها و قوتها و مكانتها،و كل دولة منها أقوى منا في العالم و ربما كان بعضها أقوى منا في بلدنا.

فمفاوضة دولة مثل موريتانيا لعملاق من حجم الإتحاد الأوربي و فرض شروطها عليه من الصعوبة بمكان ما لم تكن هناك إرادة صادقة لدى السلطات العليا و وجود شخص يتمتع بالأهلية الكاملة للتفاوض، يفيض قلبه بالوطنية و بحرصه على خيرات بلده و مصلحة شعبه. فشكرا مرة أخرى للرئيس محمد ولد عبد العزيز على اختيار الرجل المناسب في مفاوضات تتطلب من الدراية و الحنكة و المهنية و الذكاء و الاحتراف و المرونة و الصلابة و الوفاء و الوطنية الشيء الكبير.

و مما يحز في نفسي أن نرى بعض نخبنا يسعى بكل ما أوتي من قوة في محاولات يائسة إلى النيل من عظم هذه المفاوضات الجديدة و إلى النيل من القائمين عليها.

و أورد في هذه النقطة مقتطفا من حديث كبير المفاوضين الموريتانيين في مقابلة أجرتها معه أسبوعية " لاتريبين" الناطقة بالفرنسية كما أوردها بعض المواقع الألكترونية مترجمة، يقول من رد له عن أحد الأسئلة:

( نعم، إن أصحاب النوايا السيئة يحاولون دائما زعزعة من يرونه محورا لعملية يريدون نسفها، فهؤلاء يرون في شخصي قطيعة نهائية مع الممارسات السابقة، ناسين أن فريق التفاوض الذي أقوده لديه وجهة نظر فنية مدعومة بالإرادة السياسية الوطنية، و من هنا لا يهم من يقود فريقنا. فانشغالاتنا هي بخصوص حماية الثروة و إنشاء تجارة متوازنة منصفة تتلقى في الغالب دعم أكثر النخب الأوروبية لجهودنا و تفهمها لقراراتنا، ذلك أن النخبة هناك تعلم جيدا أن انهيار منطقة الصيد عندنا له انعكاسات سلبية علينا، لكنها سلبية على أوربا أيضا. إن دفاع هؤلاء النخب الأوروبية عن مصالح موريتانيا يعوض كل أعمال التخريب التي يقوم بها بعض مواطنينا داخل بلدنا.

و بالمناسبة، فإن الإرادة السياسية الحقيقية و الجادة للرئيس محمد ولد عبد العزيز مكنت موريتانيا من استجلاب مفاوضين مهنيين يستندون إلى معطيات علمية دامغة و يتم التعاطي معهم على قدم المساواة مع شركائهم الأوروبيين. الجديد هنا أساسا هو أننا نعمل من أجل المصالح العامة للبلد و دون أي تدخل من جهات سياسية للتشويش على عملية التفاوض...). انتهى الإستشهاد.

و أنا هنا – أو الآن على الأقل- لست بصدد دراسة تخصصية، أو علمية تحليلية لأن المعلومات متوفرة بما فيه الكفاية و منشورة داخليا و خارجيا. لذلك فإنني آثرت العدول عن نشر المقارنات و المعلومات و الأرقام حتى لا أنشر ما هو منشور أصلا، و تجنبا للتطويل.                                               و أعتقد أن في مقابلة "لاتريبين" مع كبير المفاوضين ما فيه الكفاية من الإحصائيات و المقارنات و الأرقام، و كذلك في رده العلمي على مقال نشره أحد "النخب الموريتانية".

و أرى أنه من الإنصاف أن يحذو حذوي بعض نخبنا المعتدلين ذوي الأقلام النظيفة و الأفكار الطاهرة في تسجيل مواقفهم من هذه القضية و مثيلاتها من القضايا الوطنية الكبرى.

إذن فأنا هنا بصدد تسجيل موقفي من قضية جدّ فيها جديد.

جديد له ما يوازيه و له ما بعده.

جديد يحرك الشعور الوطني في باطن من يشعر بالإنتماء ليسعى إلى إرضاء الضمير و لو بأقل قليل: (تسجيل موقف)

محمد الأمجد ولد محمد

أثر غياب الديمقراطية الاجتماعية في العمل السياسي المحلي / الولي ولد سيدي هيبه

صحيح أن الاستعمار الفرنسي هو من هيأ أذهان الموريتانيين المشتتة بين الانتجاع و سطوة النفوذ باتجاهيه العسكري السلطوي و المعرفي العقدي. كما وجه عمدا هذا  الاهتمام بالسياسة إلى حيز الحكم  غاية أولى و هدفا أوحد يأتي من بعده تسيير البلاد و العباد في دائرة المزاج و التصورات الفردية أو هي إن توسعت شملت بطانة بذاتها و تشعباتها. و إن للمستعمر الفرنسي - القادم يومها من قارته التي خرجت منذ قرون خلت من أسر العقول الراكدة و الأراضي المظلمة و الغابات الكثيفة و الفيافي الموحشة و الآفاق الضيقة – يمتلك من التوازن النفسي و من وسائل الإغراء المادية ما يسهل مهمة احتواء الغرباء المتخلفين و يمكن من تهذيب سلوكهم المضطرب حتى تقريبهم إلى روح المدنية و الحداثة مع الحفاظ على ضمان تبعيتهم في طويل الأزمان و الآباد. و بالفعل فقد تأسست أحزاب حملت، في الظاهر و المعلن و في فحوى الخطاب و الفلسفة توجهات لتبرير الحضور تراوحت بين تيارات الفكر:

·        القومي في الحيز الجغرافي المحدود،

·        و القومي الأرحب مساحة و أبعد آفاقا،

·        و النهضوي الحداثي في الشكل محاكاة للغرب،

·        و المساير للطرح الاستعماري قلبا و قالبا.

و لم يكن لكل هذه التوجهات التي خرجت فجأة بدون سابق قناعات أو تمهيد و عارية من أي ثوابت  أو أبعاد أو منطلقات باستثناء ما يكون من إشارات خافتة و بعيدة تصل باهتة من تخوم الخلفيات الفطرية القابعة في الأعماق، إلا أن هيأت لتقييد الإرادات و استبعاد إمكانية تشكل أي وعي مستقبلي - و ذاك قصد الاستعمار في المدى البعيد - يرسو بذاته على ثوابت و مبادئ و قيم لو أنها وجدت قد تصقل مع ترسيخها قناعات ثابتة و تضع على السكة مشروع الدولة المكتملة و المتكاملة الأركان و القوية البنيان.

حقائق لم يتسن إدراكها للمنهمكين و المتعاطين بنهم، في تلك الحقبة التي غيرت ناموس التعامل و التعاطي مع مجريات الحياة، مع السياسة و الناطقين في خضمها باسم شعب لم يكن يمتلك يومها وسائل التزكية لأي كان أو بالأحرى تفويضه للعمل نيابة عنه في هذا المضمار الذي ينشد التشاور بين جميع الأطراف و الإجماع على القواسم المشتركة في حلقة مترابطة الأوصال.  

و كان الاستقلال قد جاء في بداية الستينيات خالي الوفاض إلا من خشبة مسرح تمكن من القيام باستبدال شكل الفوضى التي كانت سائدة بأخرى أكثر هدوء و نضجا و أقوم قيلا، فتلاشت و بفعل الاستعمار مرة أخرى كل تلك الأحزاب و كأنها لم تكن في يوم واقعا معيشا ليتربع منفردا حزب الشعب الموريتاني على عرش الحضور و العمل السياسيين.

إنها فترة الخمسينات و الستينات التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية في العام 1945 حيث كان الاتحاد السوفييتي، بفأسه و منجله المطبوعين على خلفية حمراء، من صناع الانتصار فيها على النازية الألمانية و الفاشية الإيطالية و اليابانية تحت راية تعبق بالفكر الشيوعي البولشفي اللينيني المركسي الذي أسس للديمقراطية الاجتماعية أو الديمقراطية الشعبية.  و جدير بالذكر أن هذه الديمقراطية التي وصلت إلينا رياحها بعيد الاستقلال مع الطلائع الأولى لحركات التمرد على الجمود و الظلامية و ظلم الإقطاعية و سلطة الأقوى، تقوم على العمل من أجل رفع مستوى المواطنين من الناحية المادية، أي تحقيق المساواة في الثروة بين أفراد المجتمع ، في حين أن الديمقراطية التقليدية السائدة في الغرب و التي استنسخت منها أحزابنا ترمي فقط إلى تحقق المساواة السياسية بين الأفراد لشأن قيادة البلد .

و لما لم يكن الحزب الواحد قد استطاع أن يُسكِت هذا الدخيل على أجندته الرامية إلى الاستمرار بقيادة البلد دون منازع، فإن دخول الحركات القومية الضيقة و الإسلامية الخارجة هي الأخرى على النمط ألمعتقدي السائد على الخط، و سنوات الجفاف الماحقة و حرب الصحراء الضروس، و الانقلابات العسكرية المتكررة، فقد نفذ الفكر الشيوعي بما مثله من ثورة غير مسبوقة على كل أنماط الأحكام و القيود التي كانت تكبل العديد من الشعوب ليؤثر تأثيرا بالغا في العقول و النفوس بما يطالب به من قسطاس بين الأفراد و الشعوب في إطار عدالة اجتماعية تلغي الأنظمة الطبقية و تكرس مبدأ المساواة و الندية في الحقوق و الواجبات. و هو التأثير البالغ الذي غير خارطة تعاطي فئات المجتمع مع بعضها حتى برزت حركات تحررية ضد النظام الطبقي الجائر الذي لم يغير الاستعمار الفرنسي كثيرا في جوهره.

و رغم نبذ الرأسمالية لهذه الديمقراطية الاجتماعية التي قطعت الطريق منذ ظهورها على المحتكرين للثروات و النفوذ و الجاه و السلطة، إلا أن الديمقراطيات السياسية المتبعة في الدول المطبقة لها بدأت بعد التقدم الصناعي والتطور الاجتماعي تنهج اتجاهاً اجتماعياً مقتبسة منها، حيث نصّت دساتير هذه الدول الحديثة، ومنها فرنسا، على العديد من الحقوق الاجتماعية للأفراد، ككفالة العمل في الدولة، ومدة العمل،  وشروطه، في ضوء صحة العامل ومستواه الاجتماعي، ونصت على أجر العامل، وأنه يجب أن تكفل له معيشة محددة لا تنـزل عن حد أدنى معين، وكذلك كفالة حق الانضمام للنقابات، وحق التعليم والثقافة بمختلف أنواعها، وتمكينهم من ذلك بجعل التعليم مجاناً، وخلاصة القول إن دول الديمقراطيات التقليدية اتجهت أخيراً إلى تضمين دساتيرها نصوصاً كثيرة تتمثل فيها مظاهر الديمقراطية الاجتماعية. و هي لم تفعل إلا بعد أن تبينت وجوب أن تكون الديمقراطية نابعة من المجتمع و مستندة إلى  متطلباته و اشتراطاته. و بذلك فإن البرامج السياسية في الديمقراطيات التقليدية لم تصمد بعد اندثار الشيوعية بسبب شططها و تجاوزها للجوانب الروحية عند الإنسان و ما انبنى عليها من القيم الأخلاقية و التوازنات النفسية، إلا لأنها لم تترد في دمج كل الخطوط و القيم السياسية ذات الوقع الاجتماعي و النفع الارتدادي و التي شكلت ذات يوم وجه الديمقراطية الاجتماعية.

و مما لا شك فيه أن ما تعانيه أحزابنا، من انسداد الرؤيا السياسية الثاقبة وضعف في الخطاب الموجه و البرنامج العملي و ضبابية في الفلسفة المصاحبة، يعود بالأساس إلى جملة من العوامل التي من أهمها غياب تلك التوجهات المرتبطة في كل أوجهها بالديمقراطية الاجتماعية التي صححت مسار التعاطي السياسي منذ ظهورها و أعادت تشكل مرتكزات الديمقراطية السياسية و نظرتها ثم آلياتها إلى الحكم و سياسته من جميع الجوانب.

و لو أنه خلال منتصف العقد الأول من عهد الاستقلال في بداية الستينات و حقبة السبعينات من القرن المنصرم عاشت موريتانيا في ظل الحزب الواحد إلا أنه وجد منافسة شديدة من تيار حركة "الكادحين" المحظورة ذات النزعة الشيوعية المحضة التي استطاعت أن تفتح الباب أمام نظرة جديدة إلى السياسة تولدت أمام الشعب المغيب و أشركت قواعده العريضة في الاهتمام بمقاصدها و لعب أدوار محورية فيها. و لو لم  تكن الشيوعية في بعض أطروحاتها الجريئة و ذات النزعة المادية المطلقة قد تجاسرت على الأديان و المعتقدات و التي جزمت بأنها عدوة لعقل الإنسان و تقيده من منظورها عن تحقيق كل أحلامه، لكانت اليوم مكونا رئيسا لكل أشكال الديمقراطيات و لظلت مساهما أساسيا في نضالات الإنسان من أجل الانعتاق والتقدم. و لكن جرت رياح توازن الإنسان بين المادي و الروحي بما لم تشته سفن الشيوعية و تجردها المطلق الذي آل بها إلى التقهقر و الفشل رغم الإرث المتميز الذي تركته من الدعائم و القيم السياسية حيث أصبحت جزء لا يتجزأ من المنظومة الديمقراطية العالمية.  و لا سبيل مذ دخلت هذه القيم و شكلت منطلقات للعمل من أجل العدالة و الحرية و الحوار و البناء، لحضور أي حزب أو حراك سياسي و تأثيره ميدانيا في حكم البلد و تسيير شؤونه إلا بالانخراط في منظومة الديمقراطية الاجتماعية التي تمس بنتائجها العملية عموم الشعب و تلامس طموحاته.

 

 

 

النخب بين ضعف العطاء و غياب الاعتبار/الولي ولد سيدي هيبه

في عصر الكاز يطلب شاعر *** ثوبا.. و ترفل بالحرير قحاب (نزار قباني)

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله *** و أخو الجهالة في الشقاء منعم (المتنبي)

في الوقت الذي تتمتع فيه الطبقة المتعلمة و المثقفة في كل أنحاء عالم بالمقام المعنوي الذي يناسب محورية دورها في صياغة شخصية الكيان الأدبية و التاريخية و الروحية والسياسية و بالمستوى المادي اللائق بها  للحفاظ على ديمومة أدائها وعطائها في أبهى الصور و أقواها، و هي تقدمه بإخلاص و في تفان و إتقان و إيمان ببلدانها و شعوبها.. فإنها هنا في هذه البلاد ـ أرض المنارة و الرباط كما يحلو للبعض تسميتها و مربد المليون شاعر عند آخرين و همزة الوصل و هو تعريف له كذلك إيحاءاته و مدلولاته - في الوقت الذي تخلت فيه فرنسا، على سبيل المثال و تقريبا للأذهان التحول الحاصل في مدارك العقول العصرية، عن تسمية باريس "مدينة الأنوار" لما أصبح حولها في العالم من المدن الأكثر إشعاعا و أسطع أنوارا، لا يكاد ذكرها "شنقيط" أيضا فخرا و تمثيلا يتجاوز أروقة نفوس أصحابها و دوائر حوزتهم الانتمائية الضيقة القبلية و الاثنية غالبا و الجهوية نادرا دون أن يكون لذلك مطلقا رجعٌ من الألق على نسيج البلد و صبغةٌ حضارية على عموم محيطه و قوة تدعم رفعته. و هو الأمر الذي يضيء جوانب هامة مما هو حاصل من اختلال موازين الاعتبار و الأولويات في سياق معركة الرقي الفكري و التحضر في دائرة المدنية الحديثة بما تكفله من النماء و التقدم... معركة حامية الوطيس لا تمهل غير المسلحين فيها بالهمة العالية و القادرين بجدارة و عزم و حزم و شدة على وضع مخططات رصينة للأولويات والمتمتعين بطول نفس و صرامة لمتابعة تنفيذها.

    

أكثرُ عُدمًا و أقل حيلة من شاعر و كاتب و ناقد في هذا البلد، لم تراه قط عين... و لم تلد النساءُ أقل حظا و اعتبارا و أبعد تبوءً لكراسي سامية أو تقلد لمناصب متقدمة في هرم التسيير و قواعد التوجيه في الحكم من جامعيين مستوفين مقامات العلوم العصرية التي ضلعوا في اقتنائها و تحصيلها و من فقهاء و مجتهدين و مجددين و مبتكرين و مخترعين و منظرين في شتى دروب المعارف العلمية و التوجيهية و التأطيرية في دائرة التوازنات العقائدية و النفسية و الخلقية و الإنشائية... و الأكثر غرابة هو ما يتنعم به من حولهم و يرفل في خمائل حريره السماسرة و المرجفون و الوصوليون و باعة الرياء و الخواء المعرفي و الروحي من ريع الدولة المادي و مقدراتها الاقتصادية و تسهيلاتها في دائرة تسيير كل مُدخلاتها و مُخرجاتها لصالح سوء منقلب أخلاقي و تدهور قيمي للأسبقية المعرفية ما لم تعد تخطئه عين و واقع الحال مدوي الصرخة يقول على لسان نزار قباني :

في عصر الكاز يطلب شاعر    ثوبا.. و ترفل بالحرير قحاب

إنها وضعية لا يضاهيها في غرابتها و تفردها سوى ما يبدو عليه كل هؤلاء المغلوبين على أمرهم من علامات الرضى المشبوه عن هذا الواقع المر المتسم بقلة الحيلة و ضعف الوضعية المادية، اللائقة على الأقل بالمظهر و في شكل الحضور، و دون إظهار أية علامة من علامات التململ أو الاستياء تؤشر على نية أو عزم مبيت للسعي إلى قلب الأمور باتجاه الوضعية الطبيعية و الحالة الصحية الاعتيادية المفتقدة و كأن لسان حال الشاعر المتنبي و حكمة بيت قصيده في مثل حالهم قد أبانا و وقعا على وضعية البؤس التي ينعمون فيها منتشين بخمرة عقدة الاستعلائية الملازمة لضعفهٍم و بمنتهى سعادة الخب مُحيٍين، مُفعمين بعفن اختلال الموازين و لا يشعرون، غيابَ معنى الحياة من حولهم، كما يقع الحافر على الحافر؛ بيت شعر ناطق كذلك بمرارتهم التي أدمنوا و كأنه وصف لحالهم  دون

الذين قيل فيهم قبلهم :

 

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله    و أخو الجهالة في الشقاء منعم (المتنبي)

 

و إنه مما لا شك فيه أن هذه الوضعية باتت تدعو إلى تمام الريبة في أن هؤلاء المتفردين في المجتمع،

 بالمعارف و الآداب التي حصلوها و بالمواهب التي تطورت لديهم و صقلوها، لا يزالون يتميزون في تناقض محير بأقل قدر من بيان المنطق  و سحر فاعليته الذي كان حريا به أن يجعلهم يدركون أنهم عصارة المجتمع ونبضه و رايته و نبراسه الذي يستضيء به وسط بؤر الوجود المظلمة و أن يستلهموا معاني النخبة المثقفة و الواعية لأنها في أي مجتمع، هي المجموعة المشتغلة بالثقافة والعلم، والحاملة للمشاريع الفكرية والمعرفية لذلك المجتمع، بوصفها النواة والعقل المفكر لذلك المجتمع، و أنها عادة ما تكون المسؤولة عن التخطيط للمستقبل واستشرافه، من خلال وضع الإستراتيجيات المناسبة لضمان تطوره، وخلق الوعي بين أفراده، بما ينبغي القيام به من أجل التحكم في مصائرهم من خلال الانخراط السليم في المشاريع المجتمعية، باعتبار النخبة المثقفة هي حاملة المشاريع الحضارية للشعوب والأمم، لما تملكه من تصور وفهم للواقع الاجتماعي الذي تعيش فيه، ورؤية عميقة للعالم .

 

و لما لم يكن الأمر كذلك فإن واقع البلد يشهد في بعديه الحضاري و الإنساني من ناحية و التقدمي و العصري من جهة أخرى انحسارا خطيرا و ارتماء عشوائيا في غياهب جب مجاهيل غَدٍ الله وحده أعلمُ بما تنطوي عليه من مخاطر الضياع و سوء المنقلب قبل الزوال.

و في انتظار أن يصل الأمر إلى ذلك الحد فإن معالم البلد تتآكل بفعل عوامل التعرية من قيم الدولة العملية و انتشار طبقات جديدة قديمة من مستنزفي الخيرات الذين لا يحملون الوطن في قلوبهم بل في جيوبهم لا مبالين بعواقب هذا الاستنزاف يدفعهم إلى ذلك غياب وازعي الدين و الوطنية و يحرضهم اثنان أولهما "و أن ليس لك إلا اللحظة التي أنت فيها" و ثانيهما "أنا و من بعدي الطوفان".

 

فهل تستفيق النخبة من طول سكرها و تعي ذلك الواقع الذي غيبها قبل فوات الأوان فتمهد بالحس التنويري الدفين الرابض بداخلها لمسار جديد تسلكه الأمة على هديها إلى بر الأمان و تشكل منطلقا لوعي جديد، إن لم تفلح سريعا في بعثه من رماد ما أحرقوا من المبادئ و القيم و محصلات العلم التي تراكمت عندهم طيلة عقود من أعمارهم، أفراد نخبة منكسرة الجناح، خائرة العزائم، استعلائية بغير ما هندام و أدعائية في غير ما عطاء، جعلوا كل ذلك هباء منثورا ثم غلبت عليهم مساوئ النرجسية السلبية و رواسب من إملاءات الماضي و اعتباراته الضيقة، فلا سبيل عندئذ إلا إلى التحسب لمرحلة من الانتكاس الذين هم أول من سيصطلي بنارها و يصبح دون أدنى شك و بالنتيجة الحتمية أيضا أولى ضحاياها لأنه، عود على بدء، هو من أوجدها.

 

 

قبعتي للمقاومة ... ثم تحية لأهل قطاع غزة

محمد محفوظ المختار

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

رفعت الأقلام وجفت الصحف منذ بدء الجريمة الإنسانية والعسكرية والأخلاقية على قطاع غزة الصامد.. حتى اللحظة لم نشاهد مقالا ولم نسمع حسيسا لأي  كاتب ملفق أو خطيب مفوه في الساحة العربية بشكل عام – رغم وجود ما يسمى الاستثناء الذي يؤكد القاعدة -  وكأن ما يجري في قطاع غزة مجرد سحابة صيف ريثما تنقشع.. أو كأنهم يتمثلون قوله تعالى {شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا} .. بل على العكس شاهدنا حالات من التحريض والاصطفاف الفج إلى جانب الصهاينة.

حتى أكون حالة نشاز أو أكون في خانة الاستثناء أو إلى جانب القوى المقاومة في القطاع، أردت أن أعبر عن مكنونات نفسي اتجاه ما يجري هناك على أرض غزة الصامدة. مستنكرا في بداية الأمر التآمر العربي الذي كان وقعه على الشعب الفلسطيني أكثر مرارة وأقوى أثرا من الصواريخ والقذائف الصهيونية مجسدا قول القائل:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ***  على المرء من وقع الحسام المهند

أريد أن أدين حالة التآمر لبعض الدول العربية مع الكيان الصهيوني الذي بلغ درجات متقدمة من التنسيق جعلته يدخل حيز الفعل المضاد ضد حركات المقاومة في قطاع غزة الصامد وكأنها العدو الأول والأخطر في المنطقة.. كما لا يفوتني أن أسجل إدانتي وبأقوى العبارات لحالة الصمت لبعض الدول العربية الأخرى والذي يضفي مشروعية على المجازر والانتهاكات الصهيونية بحق أهل القطاع الصامد مما يرسخ حقيقة مفادها  أن مشروعية الصمت لا تقل خطورة ولا بشاعة عن مشروعية التأمر الفعلي..

أدرت أن أسجل استنكاري لهذه الممارسات العربية المذلة والمخجلة التي تلحق العار بكل من عزف عن إدانتها واستنكارها  أحرى أن يسايرها أو يدور في فلكها .. أردت أن أسجل عمق المأساة  الذاتية التي أعيشها في موريتانيا وأنا أرى رئيس الدولة محمد و لد عبد العزيز ينعي شهداء مجزرة حي الشجاعية دون أن يدين – بأبسط عبارة-  الاعتداء الصهيوني الغاشم على قطاع غزة ..

حتى لا أدور في فلك المتواطئين بالفعل أو المتآمرين بالصمت أود أن أرفع قبعتي إجلالا وإكبارا للمقاومة الفلسطينية وهي تضع بنفسها خطوطا عريضة لمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي خطته هذه الأيام في أرض الإباء غزة الصمود والمقاومة في حالة من الاحتضان الشعبي عز نظيرها وقل مثيلها.

ختاما أريد أن أعبر عن مدى فخري واعتزازي الممزوج بكثير من النشوة بعد الهزائم المتلاحقة التي ألحقتها المقاومة الفلسطينية بالحلف العربي الصهيوني .. أريد أن أسجل مدى الإعجاب بالمعجزة الملحمية التي تفرضها المقاومة الفلسطينية واقعا سياسيا جديدا يجب النظر كأمر واقع ولا يمكن تجاوزه بحال من الأحوال.. أريد أن أشد على أيدي المقاومة وهي تحتفظ بورقة ضغط قوية تحمل الرقم 6092065 تلك الورقة التي ستكون أكثر تأثيرا وأقوى وقعا في قادم الأيام.

اعلان

صور

تقرير عن الامطار في ولاية تيرس الزمور

دعاء الشيخ الددو للمدير التجاري لسنيم

فيس بوك