
عند تتبع التاريخ السياسي يتبين أن الحركات التي تولد في رحم الصراع تتغذى من حرارة المواجهة وتتماسك بوجود خصم واضح المعالم فالخصم الخارجي يمنحها وحدة الهدف ويؤجل الخلافات الداخلية ويذيب الجليد تحت ضغط الضرورة غير أن اللحظة الفاصلة في حياة هذه الحركات لا تكون دائما لحظة الصدام بل لحظة التحول الجذري التي تليها، إذ هناك تنتقل من منطق المواجهة إلى منطق البناء ومن وحدة التعبئة إلى تعقيد السياسة.
شكّل سقوط نظام معاوية ولد سيد أحمد الطايع عام 2005 منعطفا حاسما أعاد تشكيل المشهد الوطني برمته ومع هذا التحول خرج تنظيم “فرسان التغيير” من طور السرية إلى فضاء العلنية وانتقل أفراده من موقع المطاردة أو المنفى إلى موقع الفاعل السياسي المسموح له بالمشاركة فقد جاء التغيير عبر مسار قاده ضباط آخرون تحت اسم المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية الذي أعلن مرحلة انتقالية وأعاد إدماج مختلف الفاعلين في الحياة السياسية، فتهيأت بيئة جديدة لم تكن البنية الأصلية للتنظيم قد صممت لاستيعابها.
لقد كان “فرسان التغيير” إطارًا جامعًا لتيارات متعددة المشارب فقد التقى داخله ناصريون، وإسلاميون، ويساريون ضمير ومقاومة ، إلى جانب فئة أخرى غير متموضعة أيديولوجيا كانت تحركها قناعة عامة بضرورة التغيير أكثر مما يجمعها تصور فكري موحد. لم يكن التنظيم قائما على مشروع أيديولوجي متكامل بل على تحالف مرحلي هدفه المحدد إسقاط النظام .
غير أن الانتقال المفاجئ إلى مرحلة سياسية مفتوحة كشف هشاشة هذا التماسك الظرفي فالتنظيم الذي نشأ في سياق عسكري سري قائم على مركزية القرار والانضباط الصارم وجد نفسه مطالبا بالتحول إلى إطار حزبي علني يتطلب مؤسسات داخلية وبرامج سياسية واضحة وآليات منظمة لإدارة الخلاف ومرجعية فكرية تضبط الاتجاه العام وقد تجسدت محاولة الاستيعاب في تأسيس حزب حاتم بقيادة صالح ولد حننا، غير أن الانتقال من ثقافة الانضباط العسكري إلى ثقافة التعددية الحزبية لم يكن انتقالا سلسا.
هنا برز الخلل البنيوي بوضوح فمع زوال الهدف الذي وحد الصف ظهرت التباينات الكامنة في الرؤى والمواقع والطموحات ولم تعد العلاقة بين الأعضاء محكومة بوحدة المهمة ولا الصداقة بل أصبحت خاضعة لمنطق التنافس السياسي وتحديد الموقع داخل مشهد تعددي ومع غياب أرضية فكرية جامعة تحولت الاختلافات التقديرية إلى تصدعات حقيقية لأن العمل الحزبي يقوم بطبيعته على شرعية الصندوق والتعددية لا على وحدة الأمر والانضباط العسكري
ومع تصاعد السجال الإعلامي بين بعض القيادات التاريخية انتقل الخلاف من نطاق يمكن احتواؤه تنظيميا إلى صراع سرديات في الفضاءين الوطني والدولي. سعى كل طرف إلى تثبيت روايته الخاصة للتجربة وتحديد موقعه منها وهو نمط يتكرر في تجارب عديدة حين تغيب المؤسسية القادرة على إدارة الاختلاف وضبطه داخل الأطر التنظيمية.
اللافت أن كبار رموز المشروع أعادوا تموضعهم داخل الساحة السياسية فالتحق بعضهم بأحزاب قائمة أو انخرطوا في أطر جديدة مستثمرين رصيدهم النضالي في سياقات مختلفة أما الإطار الجامع الذي وحدهم في لحظة المواجهة فقد تراجع لصالح تعددية مواقع فردية تعكس انتقالهم من وحدة الهدف إلى تباين المشاريع.
من منظور تحليلي لم يكن ما حدث مجرد خلاف شخصي عابر بل نتيجة منطقية لمسار لم يحسم فكريا وتنظيميا منذ نشأته فالمشروع الذي يقوم على هدف تكتيكي محدد مهما كانت دوافعه نبيلة،يحتاج إلى قاعدة أيديولوجية ومؤسساتية عميقة كي يستمر بعد تحقق هدفه وإلا فإن تغير الظرف الموضوعي يكشف هشاشته الداخلية ويفقده الرابط الذي كان يؤمن تماسكه.
إن تجربة فرسان التغيير تقدم درسا يتجاوز سياقها الخاص أن وحدة الضرورة لا تعني وحدة الرؤية وأن الشجاعة في الفعل لا تعوض غياب المشروع المتكامل وأن التنظيم الذي لا يحسم أسسه الفكرية والتنظيمية في زمن الصراع سيجد نفسه أمام اختبار عسير في زمن السلم وهكذا فإن التفكك الذي أعقب مرحلة تأسيس الحزب لم يكن حدثا طارئا بل نتيجة منطقية لمسار انتقل من حرارة المواجهة إلى برودة الحسابات السياسية حيث لا يكفي التاريخ النضالي وحده لضمان استمرارية المشروع.
ديدي ولد امحمد ضابط سابق
.gif)
(2).gif)


.gif)
