من ازويرات إلى قصر المؤتمرات: رحلة المجد التي بدأت من القسم

جمعة, 2026/05/22 - 8:21ص
لحظة تتويج الفريق من طرف رئيس الجمهورية

في مدن المناجم، حيث اعتاد الناس صلابة الحديد وقسوة الصخر، ولد حلم آخر أكثر بريقا، حلم بحث في عقول الأبناء، وفي قدرتهم على أن يرفعوا اسم ولاية تيرس زمور عاليا في سماء التميز العلمي.
لم يأت تتويج الثلاثي خديجة عالي با، وعبدو الطالب مصطف، ومحمد ولد الطيب اصنيب، بكأس فخامة رئيس الجمهورية من فراغ، بل كان ثمرة سنوات من الإيمان العميق بأن أبناء ازويرات قادرون على صناعة المجد حين تمنح لهم الفرصة.
لقد بدأ كل شيء يوم تحركت مجموعة من الآباء، من بينهم أطر معروفون في الشركة الوطنية للصناعة والمناجم “سنيم”، يحملون قناعة راسخة بأن المدينة التي تخرج الرجال القادرين على اقتحام المناجم، قادرة أيضا على صناعة عباقرة يقتحمون ميادين العلم. طالبوا يومها بفتح إعدادية للامتياز، لكن الحلم اصطدم بالبدايات الصعبة، ثم جاءت اللحظة التي غيرت كل شيء.
أربعة تلاميذ من ازويرات اقتحموا قائمة العشرة الأوائل على المستوى الوطني في مسابقة دخول السنة الأولى إعدادية، فاحتل عتيف ولد امحمد محمد للديك المرتبة الثالثة بمعدل 16.85، وجاء عبدو الطالب مصطف رابعا بمعدل 16.45، بينما احتل محمد محفوظ العتيق المرتبة الثامنة بمعدل 16.5، وحل محمد ولد الطيب اصنيب عاشرا بمعدل 15.88. عندها فقط أدرك الجميع أن المدينة تقف على أعتاب تجربة استثنائية، وأن إعدادية الامتياز تحولت إلى بوابة علقت عليها الأسر آمالها في صناعة جيل قادر على اقتحام منصات التميز الوطني.
ومن رحم ذلك الإنجاز، ولد الفريق الذي سيمنح تيرس زمور واحدة من أجمل لحظات فخرها.
كبر الأبناء، وكبر معهم الحلم. وحين وصلوا إلى السنة الثالثة الإعدادية، كانوا مستعدين لرد الجميل لآبائهم الذين آمنوا بهم، ولسكان ولاية بأكملها انتظرت طويلا لحظة التتويج. ومع أن أعضاء الفريق يدركون أنهم يحملون أسماءهم فإنهم مؤمنون أيضا أنهم يحملون مدينة بأكملها فوق أكتافهم، ويحملون آمال آلاف الأسر التي رأت فيهم صورة مشرقة لأبنائها.
بدأت رحلة المجد من التصفيات المحلية في ازويرات، وهناك أعلن الفريق عن نفسه بقوة. حصلت خديجة عالي با على 82 نقطة، تلاها عبدو الطالب مصطف بـ72 نقطة، ثم محمد الطيب اصنيب بـ70 نقطة. ومنذ تلك اللحظة، صار الحلم أكبر، وتحولت الرغبة إلى مشروع انتصار.
وكان وراء هذا التميز طاقم تأطير آمن بالفريق وبقدرته على الذهاب بعيدا في المنافسة، يتقدمه الأستاذ المقتدر يورو دحدح، ومدير ثانوية الامتياز سيد أحمد سوله، تحت إشراف ومتابعة المديرة الجهوية للتربية وإصلاح النظام التعليمي السيدة اللو بنت المطاف، التي واكبت مسار الفريق منذ بداياته، وحرصت على توفير الظروف المناسبة لمواصلة هذا التألق.
كما لعبت دروس التقوية التي نظمتها الرابطة الثقافية والرياضية للكدية دورا مهما في هذا المسار، إذ شكلت فضاء إضافيا لصقل قدرات التلاميذ وتعزيز جاهزيتهم العلمية، في صورة أبرزت التفاف المجتمع المحلي حول أبنائه وإيمانه بقدرتهم على تحقيق الإنجاز.
كان الإعداد للمرحلة الثانية إعدادا يليق بمعركة الأبطال. أساتذة آمنوا بالفريق، ومؤطرون بذلوا كل ما يستطيعون، وبيت في ازويرات تحول إلى ورشة علم يومية، حين خصص المهندس الطالب مصطف، والد أحد أعضاء الفريق، وقته لاستقبال التلاميذ ومساعدتهم على تفكيك أعقد الأسئلة، واستحضار كل ما يمكن أن يواجهوه في المسابقة.
وحين جاء موعد مواجهة فرق الولايات الشمالية، لم يخذل أبناء تيرس زمور من راهنوا عليهم. اكتسحوا المنافسة بـ40 نقطة، متقدمين بفارق كبير على أقرب منافسيهم. وهناك بدأ الجميع يدرك أن الفريق يشق طريقه بثبات نحو كتابة صفحة استثنائية في ذاكرة الولاية، غير أن القصص العظيمة لا تخلو من المحن.
قبل المرحلة النهائية، واجه الفريق ضربة موجعة بانسحاب محمد ولد الطيب اصنيب، أحد أبرز ركائزه احتجاجا على عدم رئاسته للفريق. بدا الأمر وكأن الحلم يتصدع في اللحظة الأكثر حساسية. كان الانسحاب كفيلا بإرباك أي فريق، وربما دفعه إلى التراجع، لكن أبناء تيرس زمور اختاروا الطريق الأصعب وهو المواجهة.
رفضوا أن تسقط راية الولاية في اللحظة الحاسمة.
دخلوا النهائي بثبات المحاربين، وبقلوب تعرف أن الطريق إلى القمة لا يفسح المجال للمترددين. وهناك، أمام فرق الوطن، كتبوا أعظم فصول الحكاية، حين توجوا بكأس رئيس الجمهورية بعد حصولهم على 32 نقطة، متقدمين على نواكشوط الشمالية وتكانت واترارزة.
ثم جاءت لحظة ستبقى محفورة في ذاكرة تيرس زمور طويلا.
تقدم رئيس الفريق من بين زملائه بثبات يليق بالمنتصرين، صافح رئيس الوزراء، ثم اتجه نحو رئيس الجمهورية الذي سلمه الكأس وسط تصفيقات الحضور. في تلك اللحظة، لم يكن على المنصة ثلاثة تلاميذ، وإنما ولاية كاملة تقف شامخة الرأس.
وعاد الفريق عودة الأبطال، فخرج الناس في مدخل افديرك لاستقبالهم، تتقدمهم حاكم المقاطعة السيدة جميلة بنت معلام، وفي ازويرات خصص لهم استقبال رسمي من طرف والي تيرس زمور إدريسا دمبا كوريرا، بينما وجه عمدة بلدية ازويرات السيد السعد ولد أفلواط رسالة مؤثرة قال فيها إن هذا الإنجاز “مصدر فخر واعتزاز لكل سكان الولاية”، وإن أبناء تيرس زمور “أثبتوا أن التميز لا تحده الجغرافيا، وأن الإرادة قادرة على صناعة المعجزات”.
لقد كانت هذه القصة إعلانا صريحا بأن المدن البعيدة عن صخب العواصم قادرة على إنجاب الأبطال، وأن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على المناجم والثروات، وإنما في العقول التي تستطيع أن تغير وجه المستقبل.
وإذا كانت تيرس زمور قد عرفت طويلا بأنها أرض الحديد، فإن أبناءها أثبتوا اليوم أنها أيضا أرض العبقرية والإصرار والانتصارات.
سيد أحمد ولد بوبكر سيره