
كنا صغارا…صغارا جدا.
حين كانت السماء تكتسي بغبارها الذهبي وتبدأ الزوابع ترسم دوائرها البعيدة فوق الرمل إيذانا بعاصفة تعرفها القلوب قبل العيون.
يومها لم يكن أحد ينتظر أحدا.
كان الجميع يهب نحو الخيمة كما يهب المصلون إلى صلاة الجماعة الرجال يشدون الحبال ويغرسون الأوتاد في الأرض والنساء يجمعن ما قد تعبث به الريح والأطفال يلتفون في صمتٍ مهيب حول ذلك المشهد الذي يشبه دعاء جماعيا من أجل البقاء.
لم يكونوا يخافون على قماش وأعمدة بل على معنى السكن نفسه… على ذلك الظل الذي يحميهم من لهيب الحر ومن قسوة البرد ومن وحشة الليالي الطويلة.
ففي البادية لم تكن الخيمة مجرد مأوى من حر النهار وبرد الليل بل كانت وطنا صغيرا إذا تمزق سقفه بحثت الأرواح عن ظل آخر يأويها وبقي الخوف عالقا في عيون الأطفال وقلوب النساء من ذلك المشهد.
واليوم ونحن نقف في زمنٍ تغيرت فيه الفصول واختلطت فيه الجهات وأصبحت الرياح تأتي محملة بقلق الأرض واضطراب البشر ندرك أن الأوطان أيضا خيام كبيرة.
وأن الوطن لا ينجو بأمنيات أهله بل ينجو حين يفهم أبناؤه أن الخيمة لا يحميها إلا الذين يلتفون حولها قبل أن تصل الريح.
كانت هناك خيمة في الشرق اسمها مالي واسعة الأرض كثيرة الجراح لكن التشققات التي بدأت من داخلها جعلتها تواجه سنواتٍ من الاضطراب والانقسامات حتى أثقلت الحروب أرضها وأرهقت أهلها.
وهناك خيمةٌ أخرى اسمها السنغال عرفت بثبات أوتادها وقوة قيمها الوطنية غير أنها تمر اليوم برياح سياسية عاتية واختباراتٍ صعبة نسأل الله أن يحفظ تماسكها ويجنبها الانقسام.
وفي الجهة الأخرى ما تزال الصحراء تبحث عن أرضٍ ثابتة تغرس فيها أوتاد السلام بين جمود سياسي وتصعيد عسكري ومفاوضاتٍ تتكرر دون أن تبلغ نهاية الطريق بينما يظل الحل مؤجلا كقافلةأبطأها طول السفر.
أما نحن… يا سكان هذه الخيمة التي اسمها موريتانيا فليس لنا بعد الله غيرها.
لا تحميها القبائل إذا تناحرت فالريح لا تعرف القبيلة.
ولا تحميها الشعارات فالزوابع لا تقرأ اللافتات.
ولا تحميها الأصوات العالية فالعاصفة حين تأتي لا تجادل أحدا.
إنما يحميها قلب نقي حين يُطهر من الحقد الصغير.
وتحميها أيادٍ تمسك بالحبال معا لا أياد تتنازع على ظل الخيمة وهي توشك أن تسقط.
تعالوا نكن أعمدة… لا معاول هدم.
نكن حبالا مشدودة بالعدل والحكمة لا حبالا مقطوعة بالأنانية وبفتات دنيا زائلة.
لقد عشنا معا، لعبنا فوق هذه الأرض نفسها وشربنا من خوف واحد وفرحٍ واحد فلا تجعلوا المصالح الصغيرة تسرق منكم نعمة الأمن لأن المال الذي يجمع تحت سماء مضطربة يفقد طعمه قبل أن يكتمل عدّه.
قفوا من أجل أطفالكم الصغار الذين لا يعرفون قيمة الخيمة إلا إذا سقطت فوق رؤوسهم.
ومن أجل نسائكم اللواتي يخضن في الظل من أجل الحياة أكثر مما نخوض نحن في الضوء.
ومن أجل شيوخكم، الذين غرسوا الأوتاد قبل أن نولد وعاشوا زمنا كان الأمن فيه نعمة لا ترى لأنها كانت تحيط بالجميع.
فالوطن، يا إخوتي، ليس جواز سفر يُحمل في الجيب.
الوطن هو دفء الخيمة، وظلها، ورائحتها حين يختلط المطر بالرمل، وهو تلك الطمأنينة التي تجعل الإنسان ينام دون أن يخاف ماذا سيصبح عليه هو وأطفاله مع طلوع الصباح.
نحن لا نعرف قيمة الصحة إلا حين نفقدها،
ولا نعرف قيمة الأمن إلا حين نبيت في وطنٍ لا يعدنا بالغد.
فشدوا أوتاد خيمتكم…
ضاعفوا حبالها…
والتئموا حولها قبل أن تصل الريح.
لأن الواجب يملي علينا أن نحمي هذا الوطن من الفرقة وأن نغرس أوتاده بالعدل والوحدة والعقل حتى يبقى واقفا لأجل أطفالنا ونسائنا وشيوخنا ولأجل اسمٍ نحمله بفخر فوق هذه الأرض… اسم موريتانيا.
ديدي ولد امحمد
.gif)
(2).gif)


.gif)
