الرجل الذي أجرى القوارب في بر تيرس زمور

أحد, 2026/05/31 - 7:52م

استعاد ضابط الصف المتقاعد عبد الرحمن الشيخ السالك، خلال مقابلة مع قناة صحراء 24 مساء أمس السبت، واحدة من الذكريات التي ظلت راسخة في ذهنه منذ أحداث المحاولة الانقلابية الفاشلة 8 يونيو سنة 2003، حين كان المشاركون فيها يعيشون ظروفا صعبة خلال فترة التحقيق.
يروي الرجل أن الشيخ ولد بايه، الذي كان يشرف آنذاك على القطاع الذي احتجز فيه الموقوفون، أمر بشراء مستلزمات تساعدهم على اتقاء الناموس، وأخرى للنظافة الشخصية، كما وفر لهم ما يمكنهم من أداء الصلاة. وكانت تلك اللفتة الإنسانية تجاه أشخاص وضعوا في موقع الاتهام مثار استياء بعض قادة المؤسسة العسكرية في ذلك الوقت، قبل أن ينقل السجناء لاحقا إلى واد الناكه.
ولم تكن تلك اللفتة الإنسانية حادثة معزولة في ظرف استثنائي، بل جاءت في سياق مرحلة شائكة من تاريخ البلاد شملت ملفي المحاولة الانقلابية لسنة 2003 والمحاولة التي تلتها سنة 2004. وبرغم ما طبع تلك المرحلة من توتر أمني وسياسي، فإنها لم تخلف السجل الحقوقي القاتم الذي ارتبط ببعض المحطات السابقة، ولم تتحول إلى مادة دائمة للتقارير والشكاوى المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان. ويحسب للشيخ ولد بايه أنه كان من الوجوه التي أسهمت في ترسيخ مقاربة تراعي الكرامة الإنسانية للموقوفين، حتى وهم يواجهون اتهامات بالغة الخطورة.
وقد تبدو هذه الواقعة تفصيلا صغيرا في مسيرة رجل شغل مناصب عديدة، لكنها تكشف جانبا مهما من شخصيته. فالرجل الذي حرص على توفير أبسط مقومات الكرامة لموقوفين كانوا في مواجهة الدولة، هو نفسه الذي ستتكرر في مسيرته صور أخرى من الوفاء والإنصاف والإصرار على تحقيق ما يراه نافعا للناس.
ومن الأمثال الشعبية الموريتانية قولهم: "إٍمَشِ لكوارب في البر"، وهو مثل يضرب لمن يبلغ في الكذب مبلغا يجعل المستحيل أمرا واقعا. فالقوارب لا تسير إلا فوق الماء، غير أن الشيخ ولد بايه حول هذا المجاز الشعبي إلى حقيقة شاخصة في قلب تيرس زمور، حين ظل سنوات يلاحق حلما بدا بعيد المنال تمثل في إقامة سد في منطقة "أم لحبال" شمال شرقي كدية الجل، لحجز مياه السيول التي كانت تتدفق بعد الأمطار ثم تضيع في الفيافي دون أن ينتفع بها أحد.
تعاقبت المحاولات وتكررت العثرات، وكاد المشروع أن يدرج في خانة الأمنيات المستحيلة، لكن الرجل لم يتراجع. ظل يعاود المحاولة بإصرار، حتى تحقق الحلم أخيرا. وما إن اكتمل السد وامتلأ بالمياه حتى ظهر الشيخ ولد بايه في مشهد رمزي بديع وهو يبحر في البحيرة الجديدة على متن قارب صغير، كأنه يخاطب الطبيعة نفسها معلنا أن الإرادة قادرة على انتزاع الممكن من قلب المستحيل، وأن القوارب تستطيع بالفعل أن تجد لها ماء في أرض طالما وصفت بالجفاف والعطش.
ويستدعي هذا الإصرار إلى الذهن قصة العالم المختار ولد بونه حين أعياه حفظ ألفية ابن مالك، وهم بتركها، فرأى نملة تحاول مرارا تسلق جذع شجرة، تسقط ثم تعاود المحاولة حتى بلغت غايتها. فعاد إلى درسه وقد أدرك أن عزيمة الإنسان لا ينبغي أن تقل عن عزيمة نملة صغيرة، حتى أتقن الألفية وصار من كبار علماء البلاد. وهكذا كانت سيرة الشيخ ولد بايه، تعثر خطوة نحو نجاح أكبر.
دخل ولد بايه الوعي العام للموريتانيين من باب المكاشفة. ففي مهرجان انتخابي بمدينة ازويرات تحدث بصراحة نادرة عن مصدر ثروته وثروة بعض معاونيه في قطاع الصيد، موضحا أن جانبا منها جاء من النسب المترتبة على الغرامات المفروضة على السفن المخالفة. ولأن المجتمع الموريتاني لا يتقبل دائما هذا القدر من المكاشفة، فقد تعرض الرجل لحملة قاسية أسهمت في تشويه صورته لدى من لم يعرفوه عن قرب.
لكن رئاسته للجمعية الوطنية أتاحت للموريتانيين فرصة أخرى للتعرف إليه. وهناك بدا وجه مختلف للرجل، سرعة بديهة، وقدرة على إدارة الجلسات بحزم ومرونة، وكلمات تمتزج فيها الطرافة بالحكمة حتى تحولت بعض عباراته إلى أمثال متداولة في فضاءات التعليق والتندر.
وكان بسيطا في تعامله مع النواب، يعرف كيف يخاطب كل واحد منهم بما يلائم اهتماماته وشخصيته ومكانته. يخفض الجناح للجميع دون أن ينتقص ذلك من هيبة المنصب الذي يشغله. ولذلك استطاع أن يكسب احترام الموالاة والمعارضة معا، وأن يجعل من قبة البرلمان فضاء أقل توترا وأكثر انسجاما. ولم يكن يميز بين نائب موال وآخر معارض، لأنه كان يرى أن النائب بعد انتخابه يصبح نائبا عن الشعب كله لا عن تياره السياسي فقط.
ومع هذا اللين في التعامل، ظل شديد الحرص على هيبة المؤسسة التشريعية. فقد شهدت بعض الجلسات مواقف كانت تتطلب شخصية قوية وحضورا حاسما لمنع تكرارها، فتعامل معها بما يكفل احترام البرلمان وصيانة مكانته.
ولعل من أكثر الوقائع دلالة على طريقة الرجل في إدارة الشأن العام تلك المكالمة الهاتفية التي تسربت قبل سنوات، وكان فيها يحيى ولد محمد الوقف، الذي يشغل اليوم منصب أحد نواب رئيس حزب الإنصاف، يشرح لأحد رجالات السياسة خلفية مبالغ مالية حصل عليها النواب وأثارت بعض الجدل. وخلال حديثه أوضح أن تلك الأموال كانت في السابق تبقى في خزائن البرلمان ويستفيد منها رؤساء المؤسسة المتعاقبون، غير أن الشيخ ولد بايه اختار توزيعها على النواب بدل الاحتفاظ بها لنفسه.
وقبل بروزه الوطني، كان الشيخ ولد بايه قد ترك بصمات واضحة في قطاع الصيد، حيث عرف بصرامته في الدفاع عن حقوق الدولة أمام الشركات الأجنبية، وتمكن من فرض احترام القوانين الوطنية على كثير من المخالفين. ثم تولى بلدية ازويرات، المدينة التي نشأ في أحيائها ودرس في مدارسها، فخدمها بروح الابن الوفي.
وعندما انتخب رئيسا للجمعية الوطنية، ارتبط اسمه بإنجازات مؤسسية بارزة، من بينها تشييد المقر الحالي للبرلمان وإطلاق القناة البرلمانية التي فرضت نفسها بوصفها واحدة من أكثر القنوات العمومية مهنية وانتظاما وجاذبية للمتابعين.
ثم غاب الشيخ ولد بايه فترة عن صدارة المشهد، غير أن الغياب لم يمح حضوره من ذاكرة المتابعين للشأن العام. فقد ظلت بصماته حاضرة في المواقع التي شغلها، قبل أن يعود للظهور في اجتماعات حزب الإنصاف عضوا في مكتبه التنفيذي، ليعيد إلى الواجهة اسما ظل مرتبطا لدى كثيرين بالصراحة والإنجاز والقدرة على ترك بصمة في كل موقع يتولاه.
ويبقى السؤال مطروحا:
هل يشكل هذا الظهور مقدمة لعودة سياسية أوسع في المرحلة المقبلة، خاصة أن الرجل يرتبط بعلاقات قديمة ومتينة مع رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني تعود بعض خيوطها إلى سنوات الدراسة الثانوية في مدينة أطار؟ أم أن حضوره سيظل محصورا في دائرة التأثير الهادئ من خلف الستار؟
الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، لكن المؤكد أن الشيخ ولد بايه ترك في كل محطة من محطات حياته ما يجعل اسمه حاضرا في الذاكرة العامة، وأن قصة الرجل الذي جعل القوارب تبحر في بر تيرس زمور ستظل واحدة من أكثر الصور تعبيرا عن شخصية لا تعرف الاستسلام أمام العقبات.
سيد أحمد بوبكر سيره