ازويرات والعطش: حكاية أقدم من العمد وأطول من المواسم

أحد, 2026/06/21 - 11:36م

حين أستمع اليوم إلى بعض الأصوات التي تحاول تعليق أزمة العطش في ازويرات على شماعة شخص بعينه، أو تحميلها لعمدة جاء قبل أشهر أو سنوات قليلة، أجدني أعود بذاكرتي إلى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، يوم وطئت قدماي هذه المدينة لأول مرة.
كانت ازويرات يومها أصغر بكثير مما هي عليه الآن، وكان سكانها يعدون بالآلاف القليلة، ومع ذلك كانت المياه هاجسا يوميا يؤرق الجميع. كانت شركة سنيم، وهي المصدر الوحيد للمياه آنذاك، تضبط توزيعها بحساب دقيق؛ فتضخها للأحياء العمالية في أوقات محددة صباحا وزوالا ومساء، بينما كانت الأحياء الأخرى تنتظر صهاريج البلدية لتؤمن حاجتها من الماء.
ومع مرور السنوات أخذت المدينة تتوسع، بينما ظل المورد المائي محدودا، بل إن بعض المياه التي كانت تصل إلى السكان كانت ناتجة عن مزج مياه عذبة بأخرى مالحة لتصبح صالحة للشرب. ومع تزايد الضغط اضطرت الشركة إلى تقليص حصص الأحياء العمالية، فيما واصلت البلدية زيادة عدد صهاريجها، لكن العطش ظل ضيفا دائما على المدينة، وخاصة في أشهر الصيف اللاهبة.
ولا أنسى سنوات المرحوم الإداري الحضرامي ولد أمم، حين كان يقضي جزءا كبيرا من يومه عند نقطة تعبئة الصهاريج. رأيت بعيني الطوابير الطويلة من النساء والرجال وهم ينتظرون دورهم للحصول على ما يسد الحاجة من الماء. كان الرجل يعتقد أن حضوره المباشر قد يخفف من معاناة الناس، لكن الأزمة كانت أعمق من أن يحلها اجتهاد فرد مهما بلغت نيته وإخلاصه.
ثم تعاقبت البلديات وتبدلت أساليب التسيير. ففي عهد الوزير الحالي يعقوب ولد سالم فال، تم تنظيم عملية الاستفادة من المياه عبر شباك خاص بالبلدية، يسجل فيه المواطنون حسب أسبقية الطلب، كما تم إشراك بعض الصهاريج الخصوصية في العملية. وكانت كل مرحلة تحمل معها محاولة جديدة للتخفيف من معاناة السكان، غير أن العطش ظل حاضرا، يتراجع أحيانا ثم يعود بقوة مع كل صيف.
وحين تولى الشيخ ولد بايه المسؤولية، دخلت المدينة مرحلة جديدة من البحث عن الحلول. فبادر إلى المطالبة بنقل المياه من بولنوار إلى ازويرات عبر عربات الصهاريج على متن القطار، منتقدا أن تسقى المواشي على طول السكة الحديدية بينما يعاني السكان من العطش. واستجابت سنيم للمقترح، فدخلت ثلاثون عربة صهريج الخدمة في عملية متواصلة ليلا ونهارا بين بولنوار وازويرات.
وبعد ذلك جاءت مشاريع التحلية والشبكات الجديدة بتمويل من خيرية سنيم خلال فترة إدارة المختار ولد اجاي للشركة، واستبشر الناس خيرا بقرب نهاية معاناة امتدت عقودا. وخلال انتظار اكتمال المشروع، اعتمدت البلدية خطة لتوزيع المياه على الأحياء بصورة أكثر عدلا، فقسمت المدينة إلى مناطق، ومنعت عودة الصهاريج إلى حي معين قبل استكمال تزويد بقية الأحياء، كما منحت السائقين علاوات للتقليل من تأثير المضاربات التي كانت تستنزف العملية.
غير أن المدينة كانت تكبر بسرعة أكبر من الحلول. فمع توسع نشاط التعدين الأهلي، وتزايد أعداد السكان، ارتفعت الحاجة إلى المياه بصورة غير مسبوقة. ثم تبين لاحقا أن أجزاء من الشبكة المنجزة لم تستجب بالكامل للمعايير الفنية المطلوبة، فظلت بعض الأحياء المرتفعة تعاني من ضعف التزويد أو انعدامه، وبقيت الأزمة تراوح مكانها رغم حجم الاستثمارات المنجزة.
ومع تعيين المدير العام الحالي لسنيم محمد فال ولد التلميدي، تقرر تمويل توسعة جديدة لمحطة التحلية لرفع إنتاجها اليومي إلى ثلاثة آلاف متر مكعب، إلى جانب معالجة الاختلالات الفنية في الشبكة وتوسعتها. كما تنازلت البلدية عن ألف متر مكعب من حصتها لصالح الشركة المكلفة بالتوزيع، واحتفظت بخمس مائة متر مكعب فقط دعما للخطة الجديدة.
لكن التحديات لم تتوقف عند حدود الإنتاج. فقد عادت المضاربات في أسعار المياه لتفرض نفسها، خاصة خلال فصل الصيف، حيث ارتفعت أسعار بعض الصهاريج إلى مستويات أثقلت كاهل الأسر. وعندما تدخل العمدة الحالي السعد ولد أفلواط للحد من هذه المضاربات وإلزام الصهاريج ببيع المياه للأحياء الأكثر تضررا، واجه ذلك رفضا من بعض الملاك الذين اعتبروا الأمر تدخلا في مصدر رزقهم.
وفي الوقت نفسه، كشفت التحريات وجود ممارسات أضرت كثيرا بعدالة التوزيع في الأحياء المرتبطة بالشبكة، من بينها استخدام مضخات قوية تستنزف المياه الموجهة للأحياء المرتبطة بالشبكة، وهو ما أدى إلى حرمان عشرات الأسر من حصصها الطبيعية. فاضطرت شركة "الموريتانية للماء والكهرباء" إلى اتخاذ إجراءات عقابية بحق المخالفين، غير أن آثار تلك الممارسات ظلت تلقي بظلالها على واقع التوزيع.
وحين أتأمل هذا المسار الطويل، من صهاريج الثمانينيات وطوابير الباحثين عن الماء، إلى محطات التحلية وتوسعاتها اليوم، أجد أن الأزمة ما زالت تلقي بأعبائها على الجميع. فالأحياء الشعبية ما تزال تعاني، كما أن الأحياء العمالية التي كانت تتلقى المياه ثلاث مرات يوميا في الماضي، ثم مرتين في اليوم، لم تعد اليوم تستفيد إلا من فترة ضخ واحدة كل يومين كإجراء اتخذته "سنيم" للمساعدة في حل المشكلة. وهي حقيقة تكشف حجم الضغط الذي تعيشه المنظومة المائية في المدينة، وتؤكد أن الأزمة تجاوزت حدود حي أو فئة بعينها.
لهذا فإن الإنصاف يقتضي أن يقال إن عطش ازويرات لم يولد مع العمدة الحالي، ولم يبدأ مع سلفه، ولا مع الذي سبقه. إنها قصة صاحبت المدينة منذ عقود، وتعاقبت عليها إدارات وعمد وولاة ومسؤولون ومشاريع وخطط. أصاب بعضها وأخطأ بعضها الآخر، لكن أحدا لم يكن منشأ الأزمة ولا صاحبها الوحيد.
لقد كان العطش في ازويرات مشكلة مدينة كاملة، وما يزال حلها يحتاج إلى تضافر الجميع؛ شركة وبلدية وسكانا وسلطات عمومية. أما اختزال قصة امتدت لعشرات السنين في شخص واحد، فذلك حكم لا تصمد أمامه ذاكرة المدينة، ولا الوقائع التي ما تزال شاهدة على طول هذه الحكاية، وعلى أن ازويرات ما زالت تبحث عن قطرة ماء تسبق اتساعها المتواصل.
سيد أحمد ولد بوبكر سيره